البيت الذي يحرص على «نعم» يتناسى أن الحياة في الخارج لا ترحم من لا يملك صوتاً خاصاً. تكمن القوة الحقيقية في أن يجرؤ الطفل على أن يكون نفسه، وأن يمتلك حق النقاش حين تُستباح حدوده الشخصية.
هنا أتساءل: كيف يتعلم الصغير ذلك إذا كان «أساس البيت» لا يقبل بغير الامتثال؟ مثل هذا البيت يريد طفلاً جسوراً أمام الغرباء، بينما يكسر إرادته عند أول اختلاف أو نقاش على «طبق طعام» أو «لون قميص»، ثم نتساءل لاحقاً: لماذا انكسرت شخصيته أمام الآخرين؟
إن الطفل الذي يخشى الاعتراف بكسر آنية في المنزل لن يملك الجرأة يوماً لاتخاذ قرار مصيري نابع من إرادته. الشجاعة الحقيقية تبدأ حين يطمئن الصغير إلى أن صدقه أغلى من مثاليته.
تلك الرعشة التي تصيب يده وهو يلملم شظايا الزجاج هي ذعرٌ من سقوط قيمته في أعين والديه؛ وفي تلك اللحظة تحديداً يبدأ ترميم الروح أو هدمها.
لذا، يقع على عاتق الوالدين ألا يكون رضاهم سبباً في ابتزاز فطرة الطفل أو مصادرة قراراته. فالقرب الحقيقي يُقاس بمدى قدرة الطفل على البوح بمخاوفه دون خشية فقدان مكانته. هذا القرب هو الذي يبني في روحه درعاً في مواجهة الابتزاز الخارجي؛ فلا يرضخ لتهديد، لأنه يملك في أهله ملاذاً لا يساومه على كرامته.
وفي نهاية المطاف، أغلب الانزلاقات السلوكية تبدأ من جوعٍ للتقدير لم يُشبع، أو خوفٍ من النبذ لم يُبدد.
العالم الخارجي ما هو إلا صياد ماهر يترصد ثغرات الحرمان العاطفي؛ وكلما اتسعت الفجوة بين الطفل ووالديه، سهل على الآخرين ملؤها بما يرغبون.
[email protected]



