اليوم تشتكي مؤسسات من قلة الوفاء، مع شديد الأسف، مما يجعل المميز في خوف من أن يأتي قائد جديد، أو من يتولى عمله من بعده، فينسف كل ما قدم، ولا يُذكر حتى بـ«جزاك الله خيراً». ومن قلة وفاء المؤسسات تغييب المتقاعدين بعد حفل التكريم، وكأنهم لم يكونوا جزءاً من المؤسسة ولم يسهموا في بنائها، مع أن الفائدة في التواصل مع المتقاعد قد تكون للمؤسسة أكثر منها له، فالمتقاعد خبرة لا يفرط فيها الساعون للنجاح.
كذلك تشتكي اليوم بيوت من قلة الوفاء؛ تبذل الزوجة الكثير والكثير، ومع أول مشكلة يحدث الانفصال، وكأنه لم يكن هناك فضل وعطاء. وكذلك الزوج يقدم ويبذل، ومع أول مشكلة: «ما رأيت منك خيراً قط».
والأسوأ عندما يتخلى الأبناء عن الأب الذي بذل وقدم لهم الكثير، فقد كبرت سنه وضعفت الحاجة إليه، ومثله التخلي عن الأم وتفضيل غيرها عليها.
الوفاء مطلب ضروري، ونحن بأمسّ الحاجة إليه، فبوجوده تبقى المجتمعات وتتقدم، ولذلك لا بد من ترسيخه واستمراريته لكل من بذل للمجتمع، فهم يستحقون ونحن نستحق، فمن يعيش في أجواء الوفاء يعيش كل معنى جميل.
في سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، عندما بايع الأنصار في بيعة العقبة الثانية، قال أحد الأنصار، وهو أبو الهيثم بن التَّيِّهان: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالاً، وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله، أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
ماذا كان رد سيد النبل والوفاء؟
لقد تبسم صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم، وهذا ما كان، فكانت المدينة عاصمة، وكان قبره صلى الله عليه وآله وسلم فيها.
الوفاء ليس خُلُقاً تكميلياً في حياة القادة والعظماء، بل هو روح العلاقات وسبب بقاء المجتمعات، ومن يفقد الوفاء قد يملك المال والمنصب، لكنه يفقد أجمل ما في الإنسان.

