غير أن المتأمل في واقعنا العربي اليوم لا يحتاج إلى كثير من العناء ليدرك أن هذه الركائز تمر بتحديات متسارعة، وأن اللغة العربية، بما تحمله من تاريخ وعمق وثراء، تواجه بعض مظاهر التراجع في الحضور والاستخدام. وقد ورد في كتاب الله تعالى آيات عديدة تشير إلى اللسان العربي، منها قوله تعالى:
«إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»،
«بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ»،
«قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ».
وقد اهتم عدد من الأدباء واللغويين بالدفاع عن اللغة العربية وإبراز مكانتها، ومن ذلك قول أمير الشعراء أحمد شوقي في جمال العربية:
إن الذي ملأ اللغات محاسنًا .. جعل الجمال وسره في الضاد
ويرى أنها رابط ثقافي يجمع العرب، حيث يقول:
ويجمعنا إذا اختلفت بلاد.. بيانٌ غير مختلفٍ ونطق
ما نشاهده اليوم من بعض مظاهر التراجع في حضور اللغة العربية في بعض المجالات التعليمية والإعلامية، يدعو إلى التأمل، خاصة حين تقل العناية بمهاراتها الأساسية لدى بعض الطلاب، مما ينعكس على قدرتهم في التعبير والكتابة.
كما يظهر ذلك في بعض الاستخدامات اللغوية المختلطة في الفضاء العام، مثل المزج بين العربية واللغات الأخرى في الإعلانات أو الكتابات التجارية، وهو أمر يعكس تحولات طبيعية في بيئة العولمة، لكنه يحتاج إلى وعي يحفظ للغة توازنها وهيبتها.
وفي الوقت نفسه، فإن الاهتمام باللغات الأخرى أمر مهم وضروري في عالم متصل، غير أن هذا الانفتاح يكتمل حين يكون قائمًا على قاعدة راسخة من الاعتزاز باللغة الأم وتعزيز حضورها.
وقد قال مصطفى صادق الرافعي في كتابه تحت راية القرآن:
«إن هذه العربية بنيت على أصل يجعلها قادرة على البقاء والخلود ما دامت مرتبطة بمصادرها الكبرى.»
كما قال يوسف داود الموصلي:
«من خصائص اللغة العربية أنها قريبة من قواعد المنطق، وتساعد على التعبير الدقيق بسلاسة ووضوح.»
إن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي وعاء حضارة، ولسان هوية، وجسر ثقافي ممتد عبر التاريخ. والحفاظ عليها لا يعني الانغلاق، بل يعني التوازن بين الانفتاح العالمي والتمسك بالجذور الثقافية واللغوية.
[email protected]



