إن العمل والسعي ليس ملاماً، بل هو مقتضى الحياة، ولكن الخطر يكمن حين يسرقنا هذا الانشغال من غايتنا الأسمى. فمع تراكم المهام، يبهت استحضار عظمة الخالق في النفس، وتتحول العبادات إلى أفعال نؤديها بجوارحنا بينما عقولنا هائمة في تدبير شؤون الغد، فيصبح الله تعالى فكرة مؤجلة في زحام المواعيد والالتزامات، والحقيقة التي لا تتبدل هي أن الله سبحانه لم يغب عنا طرفة عين، فهو المحيط بكل خلجاتنا، والسامع لكل دعواتنا، والأقرب إلينا من كل ما يهمنا. نحن من نبتعد حين تملأ الغفلة بصائرنا، ونحن من نغيب حين نظن أن انشغالنا بالوسائل يغنينا عن الغاية والمنتهى.
وفي خضم هذا التشتت، يحتاج الإنسان إلى لحظات مراجعة صادقة مع النفس، يعيد فيها ترتيب أولوياته، ويفصل بين ما هو ضروري وما هو زائد عن الحاجة، فليس كل ما يُدرك يُنال، وليس كل ما يُطلب يستحق الانشغال. إن كثرة الانشغال قد تسرق من الإنسان متعة الحضور في اللحظة، وتجعله يعيش على هامش عمره دون أن يشعر.
إن ما يحتاجه الإنسان هو تلك اليقظة التي تجعله يعيش تفاصيل يومه دون أن تسرقه من ربه، وأن يمضي في دروبه وهو يستشعر معية الله في كل حركة وسكون. فمثلاً، حين يجد الشخص نفسه وسط زحام الطريق أو ضجيج الأسواق، لا تمنعه هذه المشاغل من أن يختلس لحظات يجدد فيها نية أن سعيه هو لله، فبهذا الاتصال وحده تسكن النفوس التي أتعبها الركض، وتتحقق الراحة التي لا يملكها جاه ولا سلطان.
كما أن استحضار النعم الصغيرة في الحياة اليومية يعيد للإنسان توازنه الداخلي؛ فكل لحظة تنفس، وكل نعمة أمن، وكل لحظة هدوء، هي رسائل خفية تستحق التأمل والشكر، لكنها تُهمل حين يطغى الانشغال على الوعي. ومع هذا الوعي تتغير نظرة الإنسان للحياة، فيصبح أكثر رضا، وأقل توتراً، وأعمق يقيناً بأن ما عند الله خير وأبقى.
وختاماً، لا يقاس النجاح الحقيقي بضجيج الإنجازات التي تراها الأعين، بل بمدى يقظة القلب؛ فالعبرة ليست في كم بذلنا من جهد، بل في كم استحضرنا من نية. فكلما عاد المرء إلى رحاب ذكر الله، استقام له الطريق، واسترد السكينة التي ضاعت منه وسط صخب الأيام، فمن كان الله معه وجد الأمان في عز العاصفة، ومن انقطع عن ربه تاهت به السبل ولو ملك كل أسباب الرفاهية. فاجعل لك خبيئة من ذكر تضيء بها عتمة انشغالاتك.
[email protected]



