هي معنى أهدأ وأعمق من أن يُختصر في عضلة، وأرسخ من أن يُختزل في موقف عابر.
حين قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» لم يكن الحديث عن قوة البطش، بل عن قوة تقوم على الإيمان، وثبات المبدأ، وقدرة الإنسان على إدارة نفسه قبل أن يدير غيره.
القوة تبدأ من الداخل؛ من قلبٍ مطمئن يعرف غايته، ومن عقلٍ يزن الأمور قبل أن ينجرف، ومن نفسٍ تصبر حين تتزاحم المبررات للانكسار. ليست القوة غياب الخوف، بل القدرة على مواجهته دون أن يشلّ الإرادة.
القوة الإيمانية هي الأصل؛ فهي التي تمنح الإنسان ثباتًا في المواقف، وعدلًا في الأحكام، ورحمة لا تُلغى عند القدرة. أما القوة البدنية فهي وسيلة تُحمد حين تُسخَّر في نفعٍ أو حماية حق، وتفقد معناها إن انفصلت عن الضمير.
وهناك قوة لا تقل أهمية: قوة الوعي. فالعلم والبصيرة يمنحان الإنسان قدرة على التمييز في زمن تختلط فيه المفاهيم وتكثر فيه الأصوات. من لا يملك وعيًا قد يُقاد وهو يظن أنه يقود.
الإسلام لم يمجّد الضعف، ولم يدعُ إلى الاستسلام تحت ستار اللين، بل دعا إلى إعداد القوة بكل صورها: الإيمانية، والعقلية، والمادية، لتكون سندًا للحق ووسيلةً لعمارة الأرض.
القوة مسؤولية، لأنها تمنح صاحبها تأثيرًا. ومن لا يملك نفسه في لحظة غضب أو شهوة أو خوف، لن يملك قراره حين تتعقد الظروف.
وفي المعنى الشعبي يقول الشاعر:
“هددوني بذيبٍ فالجبل والذيب فتاك
ثم جيته وروّضته وصار الذيب جنّي”
فالخوف لا يُهزم بالهرب، بل بالمواجهة الواعية.
والضعف لا يُبرَّر، بل يُعالج بالبناء.
لأن من يملك زمام نفسه.. يملك طريقه.
[email protected]
القوة تبدأ من الداخل؛ من قلبٍ مطمئن يعرف غايته، ومن عقلٍ يزن الأمور قبل أن ينجرف



