فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم اتصالات أدت إلى اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في الشعب الذي عند العقبة حيث الجمرة الأولى من منى، وأن يتم الاجتماع في سرية تامة في ظلام الليل.
وكان معهم عبد الله بن عمرو بن حَرَام أبو جابر، سيد من ساداتهم، وشريف من أشرافهم، فحرصوا على إسلامه وقالوا له: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غدًا. ثم دعوه إلى الإسلام، وأخبروه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة، فأسلم عبد الله، بل وشهد العقبة وكان نقيبًا من النقباء.
وهنا تتجلى لنا قيمة غابت اليوم عن بيوتنا ومؤسساتنا؛ فعندما يشتكي الأب من تصرفات بعض أبنائه، وتسأله: متى آخر مرة جلست مع هذا الابن وصارحته وناصحته؟ لا يكاد يتذكر، وبالتالي تُؤخذ النصائح من الرفاق، وأكثرها ـ إن لم تكن مقصودة الضرر ـ فهي مبنية على غير خبرة وتجربة.
وأيضًا تجد بعض المديرين يشتكي من موظف، وعندما تسأله عن الإجراءات التي تم اتخاذها مع هذا الموظف، تجده يتحدث عن التساهل معه في البداية، ثم يخرج لك أرقام خطابات لفت النظر والتعهدات. وعندما يأتي السؤال: هل جلست معه وصارحته وبينت له أن هذا الطريق الذي يسير فيه سيؤدي إلى الدمار له ولعائلته؟ لن يكون الجواب قطعًا نعم.
لا بد من تفعيل جانب النصيحة أكثر من الحرص على السخرية والشكوى والعقوبة؛ فالناس فيهم خير، ويريدون فقط من يحرّك هذا الخير ويجليه.
قد تكون كلمة صادقة في لحظة صفاء سببًا في إنقاذ ابن، أو إصلاح موظف، أو تغيير مسار حياة كاملة؛ فالمصارحة الصادقة تصنع ما لا تصنعه العقوبات المتراكمة
[email protected]


