لم أعرفه في البداية؛ فقد تغيّرت الملامح، وتبدّلت هيئات الطفولة بوقار السنين. كان يقف أمامي بزي رسمي تقليدي، وعلى وجهه علامات النضج، فيما لم تحتفظ ذاكرتي له إلا بصورة طفلٍ يلعب في شارعٍ ترابي مع أقرانه.
واصل الحديث بشغف، حتى طلبت منه أن يعرّفني باسمه. ابتسم وقال اسمه واسم والده وعائلته. عندها انفرجت أساريري، وضحكت قائلًا:
أنت «ابلع النعمة»؟ ضحك بدوره وأجاب: نعم، أنا هو.
كانت تلك العبارة مفتاحًا لذاكرةٍ كاملة. فقد كان والده – رحمه الله – يرددها بصوتٍ مسموع في بيتهم المجاور لبيتنا، وكان الابن في صغره كثير التذمّر، فيرد عليه والده بحكمةٍ صادقة: «ابلع النعمة»، أي احمد الله على ما أُعطيت واقبل به راضيًا.
ضحكنا طويلًا، واستعدنا شذرات من الماضي، وسعدت بمعرفة أن جار الطفولة قد أصبح رجلًا ناجحًا يُشار إليه بالبنان في ميدان عمله، وأنه كوّن أسرة كريمة وحياة طيبة، وما زال يحمل في ذاكرته تلك العبارة التربوية البسيطة.
ما تحمله عبارة «ابلع النعمة» يتجاوز كونها موعظة عابرة إلى كونها نظامًا سلوكيًا كاملًا في النظر إلى الحياة. فهي تذكّر الإنسان بأن النعمة ليست فقط فيما يملك، بل في قدرته على رؤية ما يملك أصلًا، وفي وعيه بأن كثيرًا مما اعتاده غيره يتمناه هو في لحظة غفلة أو مقارنة.
فليس المقصود أن يتوقف الإنسان عن السعي أو التطور، بل أن يوازن بين الطموح والامتنان، بين الرغبة فيما هو أفضل، والاعتراف بما هو قائم بالفعل.
وفي النهاية، يبقى جوهر الرسالة أن الإنسان كلما ازداد وعيًا بما يملك، ازداد استقرارًا داخليًا، وكلما قلّ امتنانه، ازدادت هشاشته أمام ما لا يملك. وبين هذين الحدّين تتشكل جودة الحياة الحقيقية. فـ «ابلع النعمة» ليست دعوة للقبول السلبي، بل دعوة للوعي العميق... ولحياة أكثر إتزاناً.
[email protected]


