وهذا المقترح يمكن وصفه بالمصطلح المعروف في الأوساط البحثية بـ»غلي المحيط» -Boiling the ocean-، وهو أن يحدد الباحث لنفسه نطاقاً واسعاً جداً لا يمكن تغطيته من خلال المشروع. بالطبع لم ينجح المشروع في هدفه العام، لكنه كان نقطة محورية في تاريخ الذكاء الاصطناعي، وحدد مجالات بحثية مهمة لتطويره، وتمت من خلالها نجاحات متميزة فيما بعد، وإن كانت محدودة.
كانت الأبحاث الأولية تهدف إلى تطوير آلات ذكية تفكر مثل البشر. ومع تطور هذه الأبحاث، تم اكتشاف أن الأمور المعقدة -مثل الشطرنج والمعادلات - أسهل في التعلم للآلات، أما الأمور العفوية -مثل المشي والركض والتي يتمكن منها حتى الأطفال- فهي أصعب في البرمجة! حققت هذه الأبحاث في الخمسينيات والستينيات الميلادية تقدماً كبيراً في المفاهيم والمجالات الفرعية، بما فيها «معالجة اللغة الطبيعية» -Natural Language Processing “NLP”- و»التعلم الآلي» -Machine Learning-، الذي قدمت شرحاً موجزاً له في مقالات سابقة. لكن مع عدم تمكن الأبحاث من تحقيق الهدف الأساسي للذكاء الاصطناعي، دخلت حقبة ما يسمى «شتاء الذكاء الاصطناعي» -AI Winter- في منتصف السبعينيات الميلادية، مع عزوف الجهات الممولة للأبحاث عنه. والبعض يقسمها إلى أكثر من شتاء، لكن بصورة عامة كان عدم توفر القوة الحسابية أو البيانات الضخمة من العوامل التي أدت إلى ضعف الأبحاث والتقدم في مجال الذكاء الاصطناعي لعقود. خلال هذه الفترة تم تطوير بعض التطبيقات العملية من خلال ما يسمى بـ»الأنظمة الخبيرة» -Expert Systems-، والتي يتمكن مستخدمها من الحصول على أجوبة في مجالات محددة، وتتطلب برمجة دقيقة بناءً على قاعدة معلومات معرفة مسبقاً.
ونجد مع التقدم الحاصل خلال الخمسة عشر عاماً الماضية تقريباً، من خلال ما يمكن تسميته بـ»ثورة المعلومات الخامسة»، وبالذات توفر البيانات الضخمة والقوة الحسابية لمعالجتها، تطور التعلم الآلي وتطبيقاته بشكل واسع جداً. وحصل تقدم كبير في تطوير آليات «التعلم التعزيزي» -Reinforcement Learning-، وهو نوع فرعي من التعلم الآلي، لكنه لا يُدرَّب على بيانات ابتداءً، بل يُدرَّب من خلال توليد بيانات عن طريق التجربة والخطأ، ومن ثم استخدام وتطوير الخوارزميات لتحقيق معدل أعلى من التجارب الصحيحة وتقليل الأخطاء عبر الوقت، وهو ما أدى إلى تقدم ملحوظ في الروبوتات وتعليمها المشي على سبيل المثال، والقيادة الذاتية للمركبات وغيرها من المجالات.
نجد أن التعلم الآلي، وإن كان فرعاً عن الذكاء الاصطناعي، إلا أنه أكثر محدودية وأقل طموحاً، فهو يركز على المحاكاة والتقليد من خلال تدريبه على بيانات محددة، وليس «تفكيراً» مبنياً على قواعد وأسس منطقية أو خلافه. كما نجد تطور عدد من النماذج التي تدمج ما بين التعلم الآلي و/أو الأنظمة الخبيرة مع معالجة اللغة الطبيعية لتقديم نماذج متطورة مثل «واتسون» -IBM Watson-، الذي فاز في المسابقة التلفزيونية الشهيرة -Jeopardy- في عام 2011م، ثم ما يسمى ببرامج «المساعد الافتراضي» -Virtual Assistant- الشهيرة في الجوالات الذكية وغيرها.
في أواخر عام 2022م بدأت أكبر موجة في نظري للاهتمام بالذكاء الاصطناعي، مع ظهور «الذكاء الاصطناعي التوليدي» -Generative AI “GenAI»-. ولتبسيط آلية عمل هذه النماذج، فهي مثل خاصية توقع الكلمة القادمة في الجوالات الذكية أو محركات البحث، لكنها مدربة على بيانات أكبر من خلال ما يسمى بـ»النماذج اللغوية الكبيرة» -Large Language Models “LLMs”-، وتستخدم خوارزميات أكثر تعقيداً لصياغة الجمل وتنسيقها، وهي مبنية على التعلم الآلي ومعالجة اللغة الطبيعية، كما تستخدم نوعاً من التعلم التعزيزي يمكنها من خلال استعمال المستخدمين لهذه النماذج وتفاعلهم معها أن تطور نفسها وتعطي إجابات تبدو أكثر دقة. ومن أهم المجالات حالياً ما يسمى بـ»الذكاء الاصطناعي التوكّلي» -Agentic AI-، وهو ببساطة شديدة استعمال نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي وقدراتها لأتمتة الأعمال المعقدة. بعد هذه الجولة الخاطفة على تاريخ الذكاء الاصطناعي، هل وصلنا فعلاً له؟ جوابي على هذا السؤال هو موضوع المقال القادم -بإذن الله-.
@AlQurtas



