في زمن يتغير فيه كل شيء بسرعة، لم يعد الذوق العام مفهومًا ثابتًا كما نظن، بل أصبح مرنًا أكثر مما ينبغي، يُفسّر حسب الموقف ويُستخدم بحسب الحاجة. نرفض سلوكًا لأنه لا يليق، ونقبل آخر رغم أنه أكثر إيذاءً، فقط لأنه مألوف. وكأن الذوق لم يعد مرتبطًا بالقيمة، بل بما اعتدنا عليه. يبدأ الذوق العام من تفاصيل بسيطة ككلمة تُقال، تصرف في طريق عام، أو أسلوب نعبّر به عن آرائنا على منصات التواصل. لكنه في جوهره يعكس مدى احترامنا لكرامة الآخرين وحقهم في العيش في بيئة متزنة لا تجرح الذوق ولا تثير النفور. ومع ذلك، كم مرة استخدمناه لنمنع الاختلاف لا لنمنع الإساءة؟
من الخطأ اختزال الذوق العام في الملبس أو المظهر، فالمظهر مهما كان لا يشكّل سوى سطح الصورة، أما عمق الذوق فيتجلى في السلوك، في نبرة الحديث، في التعامل مع الكبير والصغير، وفي إحساس الإنسان بالمساحة التي يتقاسمها مع الآخرين. لكن الأخطر من اختزاله هو توظيفه؛ فحين يتحول الذوق العام إلى معيار غير واضح، يصبح أداة بيد من يفسّره، لا قيمة يعيشها الجميع. نطالب به حين يخدمنا، ونتجاوزه حين لا يناسبنا، ونستخدمه أحيانًا لتجميل أحكامنا أكثر من تهذيب سلوكنا.الذوق العام في حقيقته تربية داخلية لا تُفرض بالقانون بقدر ما تُزرع في الوعي عبر القدوة والممارسة. فالقوانين تنظّم لكنها لا تهذّب، أما الوعي الجمعي فهو الذي يمنح الذوق معناه الحقيقي أو يفرغه منه. وتحدّي المجتمعات الحديثة لا يكمن في حماية الذوق العام فقط، بل في فهمه بوعي. فالذوق لا يسعى لتقييد الحرية، بل لضمان أن تُمارس دون أن تتحول إلى فوضى أو إساءة. فالحرية نفسها تصبح هشّة حين تُقاس بمعايير متقلبة لا يعرف الناس حدودها بقدر ما يخافون من تفسيرها. وهنا تظهر المفارقة: لسنا دائمًا أكثر التزامًا بالذوق، بل أكثر خوفًا من الحكم باسمه.
خلاصة القول: الذوق العام ليس مجرد مرآة لوعي المجتمع، بل اختبار لصدقه أيضًا؛ فإما أن يكون معيارًا يحمي الجميع، أو أداة نستخدمها لنفرض ما نراه ونرفض ما لا نألفه.
[email protected]



