في شوارع لوس أنجلوس، لم يكن المحتجون يرفعون شعارات تقليدية، بل كانوا يطرحون أسئلة وجودية: من يملك الصورة؟ من يملك الصوت؟ ومن يملك المستقبل؟ لم يكن الخلاف حول الأجور فقط، بل حول مصير مهنة بأكملها، في ظل صعود الذكاء الاصطناعي وهيمنة منصات البث، وتغير سلوك الجمهور بشكل جذري.
كان هذا الإضراب بمثابة إنذار مبكر. واليوم، ما تصفه تقارير دولية، مثل المقال الذي نشرته بلومبيرغ هذا الأسبوع بعنوان «أزمة وجودية للسينما»، لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي للتحول العميق الذي تشهده الصناعة. فالصناعة التي نجت في السابق من تحديات كبرى، من التلفزيون إلى الفيديو المنزلي، تواجه اليوم مزيجًا غير مسبوق من الضغوط.
الإنتاج يتراجع، الوظائف تقل، ودور العرض لم تعد تجذب الجمهور كما في السابق. وفي المقابل، ينفق الناس أكثر من أي وقت مضى على الترفيه، لكن هذا الإنفاق لا يذهب إلى السينما التقليدية، بل يتوزع بين منصات البث، والألعاب، والمحتوى القصير على وسائل التواصل الاجتماعي.
المشكلة لم تعد في المنافسة بين فيلم وآخر، بل في تغير تعريف «المحتوى» نفسه. فاليوم، لا تنافس السينما فيلمًا آخر، بل تنافس فيديو مدته 30 ثانية على هاتف ذكي، وخوارزمية تعرف كيف تبقي المستخدم متصلاً لساعات.
هذا التحول لم يؤثر فقط على الإيرادات، بل على المعنى الثقافي للسينما. فبعد أن كانت الأفلام تشكل لحظات جماعية تُعاش في صالات العرض، أصبحت تجربة فردية، سريعة، ومجزأة. حتى الأسواق الدولية، التي كانت تعوّض أي تراجع في السوق الأمريكية، أصبحت أكثر تقلبًا، مع تصاعد المنافسة المحلية والتوترات الجيوسياسية.
ورغم كل ذلك، قد لا تكون المشكلة في اختفاء السينما، بل في أنها لم تعد تحتل الموقع نفسه. فهي تتحول تدريجيًا من صناعة جماهيرية واسعة إلى تجربة نوعية محدودة، تعتمد على الأحداث الكبرى والإنتاجات الضخمة.
ربما لن تختفي السينما، كما لم تختفِ الصحافة من قبلها، لكن المؤكد أن كليهما لم يخرجا سالميْن من الثورة الرقمية. فقد غيّرت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي ليس فقط طريقة استهلاكنا للمحتوى، بل أعادت تعريف قيمته. لم يعد «الأفضل إنتاجًا» هو ما ينتصر، بل «الأسرع وصولًا».
وفي هذا العالم الجديد، وجدت صناعات عريقة كالسينما والإعلام نفسها في موقع لم تعتد عليه من قبل: تحاول إعادة تعريف دورها في زمن لم تعد هي من يحدد إيقاعه.
وهنا تكمن الخلاصة: السينما، مثل الصحافة، ليست ضحية أزمة عابرة، بل واحدة من أبرز ضحايا ثورة غيرت قواعد اللعبة بالكامل.
[email protected]



