ومن الغريب أن الحافظ ابن حجر العسقلاني، الذي عاش في القرن التاسع الهجري، علّق على تسارع الوقت في زمنه، حيث قال: «إنما احتاج الخطابي إلى تأويله بما ذكر، لأنه لم يقع النقص في زمانه، وإلا فالذي تضمنه الحديث قد وجد في زماننا هذا، فإنا نجد من سرعة مَرِّ الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا».
فكيف لو عاش ابن حجر في زمننا الحاضر؟! حيث سرعة انقضاء الأيام، وسرعة التنقل بين البلدان، وسرعة المركبات والطائرات والقطارات، وسرعة إعداد الطعام «الوجبات السريعة»، وسرعة إنجاز المعاملات عبر الإنترنت، وسرعة المعالجات في الحواسيب والهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي! فقد أصبحت وتيرة الحياة العصرية الحالية سريعة الإيقاع، فلا نكاد نجد وقتًا للتأمل والتأني.
وفي المقابل، يرى البعض أن الزمن نسبي، وأن تسارع الوقت موجود في كل زمان، ولكن الذي اختلف هو البركة والهمة، والانشغال بالفارغ عن المفيد. فحين تزداد الوسائل المساعدة «الحواسيب، والهواتف الذكية، والذكاء الاصطناعي وغيرها» يتكاسل التفكير والبحث، وتقل الحركة والبركة، وقد قيل: «في الحركة بركة». والواقع يشهد لذلك؛ ففي الماضي، حتى تجد معلومة قد تبحث لساعات بين الكتب، فتتعلم خلالها الكثير من الفوائد والمعلومات حتى تصل إلى مرادك. وقِس على ذلك باقي الأمور. أما اليوم، فبضغطة زر من هاتفك الذكي تأتيك المعلومة هينة لينة.
سوف نستقبل خلال الأيام القليلة القادمة عيد الفطر المبارك. ومن سمات العيد العامة أنه جاء تعظيمًا للشعائر الدينية، وتعزيزًا للألفة، وصلةً للأقرباء والأصدقاء، ونثرًا للفرح والسرور والسعادة.. وبمناسبة الحديث عن العيد والسعادة، فمن المصادفات العجيبة أنه إذا كان العيد يوم الجمعة «20 مارس» - وهو المتوقع فلكيًا - فإنه سيوافق «اليوم الدولي للسعادة». والسعادة هي غاية كل إنسان كما يرى الفيلسوف الشهير أرسطو.
لكن يُذكر أن المفكر عباس محمود العقاد له وجهة نظر مختلفة عن أرسطو؛ إذ قال في حديث إذاعي بمناسبة عيد الفطر: إن أكثر الأمم تتبادل التهنئة في أعيادها بتمني السعادة للمهنئين، مثل قولهم: يوم سعيد، أو عام سعيد، أو عيد سعيد، وهو الاصطلاح الذي يتبادله معظم الغربيين في مثل هذه المناسبات، وهي أمنية جميلة ومحبوبة. لكن أمنيتنا نحن الشرقيين أجمل منها وأحب إلينا - يقصد العقاد جملة: «كل عام وأنتم بخير» - لأن الخير أعظم من السعادة، وهو يشملها ويحتويها.
ولا بد من التذكير بأن الأمن والأمان الذي نعيشه بفضل من الله سبحانه وتعالى، مع ما تمر به المنطقة من أزمات وتحديات سياسية واقتصادية ولوجستية، نعمة لا تقدر بثمن، وهي أهم وأعلى منزلة من الفرح والسرور والسعادة.
[email protected]
كيف لو عاش ابن حجر في زمننا الحاضر؟! حيث سرعة انقضاء الأيام، وسرعة التنقل بين البلدان،



