مع مشهد الحالة المطرية الساحر التي شهدتها أجواء الشرقية في هذين اليومين، والتي رافقتها مشاعر شهر رمضان الروحانية، وكأنها اجتمعت لتعيد للنفس أُنسها وسكينتها، وللروح صفاءها. مشهد كوني مهيب يجعل الحواس في حالة من الهدوء والسكينة، وفي حالة من الحنين لكل من شاركونا تلك اللحظات، ولكنهم لم يعودوا موجودين اليوم؛ لأعوام الطفولة، للأحاسيس الممزوجة بالدهشة والفرحة. لنُتيقن مع هطول المطر بأن كل لحظة تمضي لن تعود، كالقطرة التي لن تهطل مرة أخرى، لذلك لا يمكن لهطول المطر أن يكون مجرد خبر عاجل في النشرة الجوية، أو رسالة نصية لما تشير إليه التوقعات اتجاه هطوله، ولا مجرد إحساس عابر، بل إن حضور المطر يبدو طاغيًا لأنه يجيء مصحوبًا بالمشاعر الكثيفة.
من منا لا تفرحه تلك القطرات الشفافة النقية؟ من منا لا تنهض مشاعره مع ذلك الإيقاع الرباني الفريد الذي يبعث بالسعادة والحب، ويغذي روح المبدعين بالجمال، وفي أقلام الكُتاب بالحبر، وفي أيادي الأمهات الحنون بالكثير من الدعوات الصادقة؟ كأنما في هطوله يربت على كتف الألم ليخبره بأن الخير آتٍ وأن الحزن منتهي لا محالة.
اليوم، حين تطرب مسامعنا قطرات المطر، لا نركض منها، ولا نبحث عن مظلة لتحمينا من البلل، بل نبحث في أدراج ذاكرتنا القديمة عن ذلك الطفل الذي كنا عليه، عن تلك الصورة الدافئة التي نحتفظ بها في مخيلتنا. فليبلل المطر أجسادنا طالما أن ذاكرة قلوبنا مُبللة بوقع قطراته، طالما أن تلك القطرات لن تخمد نيران الحنين التي تسكن أعماقنا، وطالما أنه حتى وإن غادرتنا الفصول وتبدلت، لن تغادرنا تلك الذكرى التي تسكننا إلى الأبد.
ومضة:
إن السحب في السماء تشبه إلى حد كبير الأفكار التي تدور في أذهاننا، وكلاهما يتغير باستمرار من ثانية إلى أخرى.
[email protected]



