وهنا يتجلى دور جمعيات حفظ النعمة، التي تعمل على جمع فائض الطعام الصالح للاستهلاك من الفنادق والمطاعم والمتاجر الكبرى، وإعادة توزيعه وفق معايير صحية دقيقة على الأسر الأشد حاجة، خصوصًا في مواسم الذروة كشهر رمضان والحج. ولا يمكن فصل جهود هذه الجمعيات عن مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي، التي تهدف إلى تعزيز الاستدامة وتقليل الفاقد وتحسين سلاسل الإمداد.
الأثر لا يتوقف عند البعد الإنساني، بل يمتد إلى البعد البيئي؛ إذ تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن تقليل الهدر الغذائي يسهم مباشرة في خفض الانبعاثات الكربونية الناتجة عن تحلل المخلفات العضوية. وتأتي جمعيات حفظ النعمة لدعم مستهدفات المملكة في الاستدامة وخفض الانبعاثات ضمن مبادرة السعودية الخضراء. ومن الناحية الاقتصادية، تسهم هذه الجمعيات في تبني الاقتصاد الدائري من خلال إعادة توظيف الفائض بدل التخلص منه، بما يقلل تكاليف النقل والمعالجة، ويوفر فرصًا تطوعية ووظيفية للشباب بما ينسجم مع مستهدفات رفع مساهمة القطاع غير الربحي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030.
ومن اللافت أن التطور التقني أصبح جزءًا من منظومة حفظ النعمة؛ إذ بدأت بعض الجمعيات باستخدام تطبيقات ذكية لتنسيق عمليات الاستلام والتوزيع وتتبع صلاحية المنتجات، مما يعزز الشفافية ويرفع كفاءة العمليات. ورغم هذه الجهود، لا يزال التحدي الأكبر يكمن في تغيير السلوك الاستهلاكي، خاصة في المناسبات التي تشهد وفرة مفرطة. فالأمن الغذائي لا يتحقق فقط بزيادة الإنتاج، بل أيضًا بترشيد الاستهلاك وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة.
ومن هنا تأتي أهمية الشراكة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجمعيات الأهلية والمؤسسات التعليمية والإعلامية، مثل وزارة التعليم، لترسيخ ثقافة المسؤولية الغذائية، من خلال تضمين مفاهيم الاستدامة وترشيد الاستهلاك ضمن المقررات الدراسية، وتشجيع المدارس والجامعات على تنفيذ مبادرات تطوعية بالشراكة مع جمعيات حفظ النعمة، وتنظيم حملات توعوية في المواسم التي يرتفع فيها الهدر الغذائي.
ولا يمكن إغفال دور وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد في صناعة الوعي المجتمعي بضرورة الحفاظ على النعمة وتحقيق مستهدفات الأمن الغذائي من خلال المنبر بالحكمة والموعظة الحسنة، وإبراز القدوات المجتمعية الفريدة. فالاستثمار في الوعي الفردي والمجتمعي هو الضمانة الحقيقية لاستدامة الأمن الغذائي على المدى الطويل.
وأخيرًا، فجمعيات حفظ النعمة لم تعد مجرد مبادرات خيرية موسمية، بل أصبحت ركيزة استراتيجية في منظومة الأمن الغذائي الوطني. فهي تحوّل فائض الطعام إلى أداة للتكافل، وتحوّل الهدر إلى استدامة، وتحوّل المسؤولية الفردية إلى وعيٍ مجتمعي شامل.
حفظ النعمة ليس عملًا تطوعيًا فحسب، بل هو استثمار في أمن الوطن واستقراره ومستقبله.
[email protected]



