انتظرتُ صوت المقبض وهو يُدار بهدوء.
انتظرتُ الضوء يتسلل فجأة إلى الغرفة.
انتظرتُ تلك الجملة التي كانت تبدأ بها ليالي رمضان:
قم.. السحور بركة.
مرّت الدقائق.
لم يُفتح الباب.
جاء الأذان.
ولم يأتِ صاحب الصوت.
هنا فقط أدركتُ أن رمضان هذا العام لن يشبه ما قبله.
ليس لأن الوقت تغيّر، ولا لأن الطعام تغيّر، بل لأن الذي كان يمنح اللحظة معناها... غاب.
غياب الأب الذي كان يبدأ الفجر..
كان الفجر يبدأ بخطواته، الممرّ يعرف وقع قدميه، والأبواب تحفظ طريق يده.
يوقظنا واحداً واحداً، يعيد الاسم إن لم نستجب، ثم يجلس قرب آخرنا يراقبنا ونحن نأكل.
كأن حضوره وحده ضمان أن البيت ما زال بخير.
فلم يكن السحور عنده وجبة، كان اجتماعاً، كان مسؤولية، كان إعلان مودة وحنان وحب يومي لا يحتاج إلى خطاب.
ولكن هذا العام رنّ المنبّه بصوت جامد.
أيقظنا.. لكنه لم يطمئن علينا.
جلسنا حول المائدة، الصحون كما هي، والكراسي كما هي، لكن الكرسي الذي كان يتوسط المكان صار فراغاً واضحاً لا يمكن تجاهله.
حين يصبح الدعاء طريقاً إلى الغائب..
في كل زاوية من البيت أثرٌ له.
وعند الأذان..
حين نمدّ أيدينا إلى التمر، نتوقف لحظة قصيرة، كأن أعيننا تبحث تلقائياً عن يده التي كانت تمتد قبلنا.
كان هو من يأكل التمرة أولاً،
هو من يقول بسم الله بصوت مسموع، هو من يبدأ.. ثم يبدأ الجميع بعده.
اليوم نأكل التمرة بصمت.
لا أحد يتقدّم، ولا أحد يعلن البداية.
فنكتشف أن ما كنا نظنه تفصيلاً بسيطاً كان روح المشهد كله.
البيت حين يفقد صوته..
الأم التي كان صوتها يسبق رائحة القهوة، كانت ترتب الأطباق وكأنها ترتب أرواحنا حول بعضها.
تذكّر بالدعاء، وتسأل عمّن لم يخرج من غرفته، وتملأ المكان دفئاً قبل أن تملأه طعاماً.
واليوم المطبخ منظم، القهوة جاهزة، لكن الصمت أثقل من أي صوت.
في لحظة هدوء، نتمنى لو أن الباب يُفتح فجأة، ويعود الصوت، ولو لليلة واحدة.
لن يُفتح.. لكن ما زرعه فينا باقٍ.
ختاماً..
رمضان هذا العام ليس أقل نوراً، لكنه أكثر حنيناً.
[email protected]



