البرامج الحوارية الرمضانية لا تزال تدور في فلك نمط راسخ لم يتزحزح منذ سنوات، حيث تُستضاف وجوه بعينها تتكرر موسماً بعد موسم، مع حرص واضح على تجنب كل موضوع قد يُحرج أو يُثير أو يُفكّر. يُقدَّم الترفيه بوصفه غاية لا وسيلة، والضحكة هي المعيار الأول والأخير، لا الفكرة التي قد تبقى في الذهن بعد انتهاء الحلقة.
هذا النمط لم يُخطئ فحسب في قراءة ما يريده الجيل الجديد، بل أخطأ في الاعتراف بأن هذا الجيل موجود أصلاً بثقله واهتماماته المختلفة. في المقابل، نجح البودكاست في اختراق فجوة حقيقية تركتها الشاشة التقليدية خلفها، إذ باتت منصات بارزة تتناول موضوعات هامة، مثل الصحة النفسية وضغوط العمل وأزمة القرارات المصيرية وهواجس الهوية والخوف من المستقبل. موضوعات يشعر الشباب أنها تصفهم بدقة لم تعتَدها الشاشات التقليدية.
وفي سياق الدراما، تراوحت مسلسلات رمضان هذا العقد بين اتجاهين لا يلتقيان بسهولة؛ كوميديا اجتماعية تلامس تفاصيل الحياة اليومية للجيل الجديد، ودراما تاريخية وعائلية تخاطب أجيالاً أكبر سناً بلغة مختلفة تماماً. والمفارقة أن الأعمال التي حققت انتشاراً واسعاً وتفاعلاً حقيقياً على منصات البث كانت تلك التي جرؤت على مناقشة التحولات الاجتماعية التي يعيشها الشباب يومياً، لا تلك التي آثرت الحياد والمسافة الآمنة.
المشكلة ليست في غياب المحتوى الشبابي كلياً، بل في أن المنصات التقليدية تتأخر في استيعابه واحتضانه، بينما تأخذه منصات البث ووسائل التواصل الاجتماعي بهدوء وثقة. الجيل الجديد لا يبحث عن بريق الإنتاج ولا عن ضخامة الاستوديو، بل يبحث عن صدق الطرح وأصالة اللحظة.
خلاصة القول، ما يُطرح اليوم في الفضاء الإعلامي يعكس جزءاً من اهتمامات هذا الجيل، لكنه لم يبلغ عمقه الحقيقي، ولم يقترب من أسئلته الجوهرية. المحتوى الذي يصمد ويُشارَك ويظل حاضراً في الأذهان هو ذلك الذي يقول لمتلقي بوضوح: أنا أفهم ما تعيشه.
[email protected]



