فالإنسان في جوهره بناءٌ حي، تتداخل فيه الأعمدة والجدران، وتتعانق فيه الطبقات الظاهرة والخفية، كما يبدأ أي بنيان بأساسٍ متين، يبدأ الإنسان بقيمه، وهي القاعدة التي إن صلحت صلح ما فوقها، وإن تصدعت تهاوى البناء مهما بدا شامخًا، ومن ثم خرسانة الإنسان والتي تكمن في صدقه، أمانته، رحمته، أيمانه كلها لا تُرى من الخارج، ولكنها تمنح الثبات عند الشدة والعواصف.
ثم تأتي الجدران، والتي تشبه سلوك وتصرفات الإنسان اليومية، بها تتحدد ملامحه أمام الأخرين وتشكل صورته داخل المجتمع، وعلى الرغم أنه قد يُزيَّن الجدار بطلاء جميل، ولكن لو كان داخله وأساسه هشَّا، لن يصمد تمامًا كالإنسان، المظهر قد يخدع، ولكن جوهره هو ما يحدد قوته الحقيقية.
أما النوافذ؟ فهي أفكاره وعقليته التي يطل بها على العالم الخارجي ومنها يدخل الضوء ويتجدد الهواء، فكل فكرة مشرقة تفتح نافذة ضوء، وكل فكرة مظلمة تغلق هذه النوافذ، والأبواب تشبه تمامًا قرارات الإنسان، به يسمح لمن يشاء الدخول إلى حياته، وبه يغلق على ما يؤذيه، فعند التهاون ستأتي الرياح لنا.
ولا ننسى أن كل بنيان يحتاج إلى صيانة دورية، كذلك الإنسان فهو يحتاج إلى أن يراجع نفسه، قراراته، يرمم شروخه النفسية، يصلح أخطاءه حتى لا تتفاقم، فالإهمال لا يسقط البناء إنما يُضعفه تدريجياً حتى ينهار.
في النهاية: كل إنسان مهندس نفسه وحارس بنيانه، يبني حجرًا كل يوم في شخصيته، يختار شكل وحجم نوافذه، ويقرر متى يفتح ويُغلق بابه، ومن أحسن بناء داخله، صمد خارجه، فالبنيان لا يسقط من شدّة الريح، بل من ضعف الأساس.
[email protected]



