لم أظن أنني سأرى الإجابة بعينيّ.
كنت أعتقد مثل كل من عاش في ذلك الزمن أن القرارات تموت مع أصحابها، وأن أقصى ما يتركه الإنسان وراءه لا يكاد يُذكر. لم نكن نفكر في الخلود بل في الثبات، في أن نجد طريقة لا نكون فيها عابرين بالكامل.
في صباح 22 فبراير 1727م، لم تولد دولة فقط، بل فكرة أن الإنسان قادر على تحويل الصحراء إلى معنى والخيمة إلى وطن واللحظة العابرة إلى تاريخ.
والآن، وأنا أشاهد مايجري في مملكتنا الحبيبة، أرى أن ما بدأ لم يظل في مكانه. لم يعد مجرد أثر في زمن بعيد، بل أصبح زمنًا قائمًا بذاته، صحراء اليوم ليست مجرد رمال بل حكاية متحركة، نخيلها تنمو رغم الرياح، وحجرها يحتفظ بصمت القرون، والخيمة الأولى تحولت إلى روح وطنية تنبض في كل زاوية.
أكثر ما يدهشني ليس ما تغيّر، بل ما بقي: الإحساس بأن ما يُقام هنا ليس مؤقتًا، بل ممتد، ليس مرتبطًا بعمر إنسان، بل بتاريخ . كأن القرار الأول لم يكن نقطة بداية فحسب، بل اتجاه، وما تبعه ليس إلا استمرارًا طبيعيًا له، يتشكل في مشاريعنا وأحلامنا، في خطواتنا اليومية وفي صمت الليالي الطويلة.
الإنسان لا يرى نتيجة قراره كما يتصور. لا يراها صورة ثابتة، بل واقعًا حيًا يظهر في الطمأنينة التي لم تنكسر، في العزم الذي انتقل بهدوء عبر الأجيال، في اليقين الذي ترسخ في الأرض قبل البشر.
أنا هذه الأرض.
أتذكر أول خطوة آمنت بي، وأول يد بنت فوقي حلمًا، وأول قلب قال: هنا سنبقى.
مرّت قرون، وتغير كل شيء، إلا ذلك القرار الأول: أن أكون وطنًا، نبضًا خالدًا، فكرة تتجاوز الزمان، تصنع معنىً حيًا في كل جيل، وتثبت أن أعظم ما يمكن للإنسان أن يفعله ليس أن يبدأ شيئًا، بل أن يخلق شيئًا يستمر بعد رحيله.
وكل عام ومملكتنا الحبيبة وشعبها بخير..
[email protected]



