في ذكرى «يوم التأسيس» من كل عام، لا نحتفي فقط بتاريخٍ مضى، بل نستحضر منطقًا عميقًا في بناء الدول: أن الاقتصاد الحقيقي لا يولد من تقلبات المؤشرات، ولا من عناوين الشاشات، بل من لحظة القرار الأولى التي صنعت الدولة، ورسخت وحدتها، وأقامت سيادتها.
وحين نتأمل مسيرة المملكة منذ أن وحّدها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، ندرك أن جوهر النجاح الاقتصادي السعودي لم يكن في وفرة الموارد فقط، بل في وجود دولة قادرة على تحويل الجغرافيا إلى كيان، والقبائل إلى مجتمع، والتحديات إلى مشروع.
في الأدبيات الاقتصادية، تُقاس قوة الدول عادة بحجم الناتج المحلي، أو بمعدلات النمو، أو بتصنيفات الجدارة الائتمانية، غير أن التجربة السعودية تقدّم درسًا مختلفًا وأكثر عمقًا: أن أهم أصل اقتصادي لأي دولة هو قدرتها على بناء الثقة... ثقة المواطن، وثقة المستثمر، وثقة العالم.
يوم التأسيس يذكّرنا بأن الاستقرار لم يكن نتيجة للاقتصاد، بل كان شرطًا سابقًا له، فلا سوق يزدهر في فراغ سياسي، ولا استثماراً يعيش طويلًا في بيئة مهزوزة، ولا مشاريع كبرى تُبنى بلا مظلة دولة قادرة على الحماية والتنظيم والتخطيط.
ولهذا.. فإن قراءة الاقتصاد السعودي من زاوية «يوم التأسيس» تعني أن نعيد ترتيب المفاهيم: الدولة أولًا.. ثم السوق، القرار السيادي أولًا.. ثم حركة رأس المال، الرؤية الوطنية أولًا.. ثم التفاصيل التشغيلية.
قد تبدو هذه العبارات أقرب إلى الخطاب السياسي، لكنها في حقيقتها لغة اقتصادية بامتياز، فأسواق المال العالمية لا تستثمر في الأرقام وحدها، بل تراقب استقرار القرار، وتماسك المؤسسات، ووضوح الاتجاه الاستراتيجي للدولة.
اليوم، حين نتابع توسّع المشاريع الوطنية، ونمو القطاعات غير النفطية، وتحوّل المملكة إلى مركز إقليمي في الطاقة والخدمات اللوجستية والسياحة والصناعة، فإننا في الواقع نشهد امتدادًا طبيعيًا لذلك التأسيس المبكر الذي وضع الدولة قبل الاقتصاد، والسيادة قبل السوق.
ولعل من أبرز تجليات هذا التحول هو الدور الاستثماري الذي تقوده مؤسسات وطنية كبرى مثل صندوق الاستثمارات العامة، والذي لم يعد مجرد أداة تمويل، بل أصبح ذراعًا استراتيجيًا لإعادة تشكيل هيكل الاقتصاد، وتنويع مصادر الدخل، وصناعة قطاعات جديدة بالكامل.
لكن الأهم من المشاريع والأرقام، هو الرسالة التي يبعثها هذا المسار للعالم، أن المملكة لا تبني اقتصادًا ظرفيًا يستجيب لدورات الأسواق، بل تشيّد اقتصادًا طويل النفس، منسجمًا مع هويتها، ومتصلًا بجذورها، وقادرًا على الصمود أمام التحولات الدولية المتسارعة.
في زمن تتغير فيه موازين الاقتصاد العالمي بسرعة، وتتعاظم فيه المخاطر الجيوسياسية، تصبح قيمة الدولة القوية أعظم من أي ميزة تنافسية مؤقتة.
وهنا تحديدًا تتجلى فلسفة يوم التأسيس: أن بناء الدولة ليس حدثًا تاريخيًا منتهيًا، بل عملية مستمرة تُجدّد نفسها في كل قرار اقتصادي، وكل إصلاح تشريعي، وكل مشروع تنموي.
«يوم التأسيس» ليس ذكرى في الروزنامة الوطنية، بل بوصلة فكرية تقول لنا بوضوح، حين نفهم جذور الدولة.. نفهم سر قوة اقتصادها، وحين نحافظ على صلابة الكيان.. تظل الأسواق، مهما تقلبت، مجرّد تفاصيل في قصة أكبر اسمها الوطن.



