في زمن المنصات الرقمية، تغيّر سؤال الإنسان. لم يعد يسأل: ماذا أشعر؟ بل أصبح يسأل: كيف ستبدو هذه اللحظة؟ في كثير من المناسبات الاجتماعية، تتوقف اللحظة قليلًا حتى يكتمل التصوير. في المطاعم، تُرتّب الأطباق بعناية قبل أن تُلمس. في السفر، يُوثَّق الطريق قبل أن تُعاش التجربة. حتى في الاحتفالات العائلية، قد نجد أنفسنا نعيد تمثيل مشهد معين لأن الإضاءة لم تكن مناسبة أو الزوايا لم تُظهر اللحظة كما أردنا. قد يبدو الأمر بسيطًا، لكنه يعكس تحوّلًا عميقًا في وعينا؛ إذ لم تعد التجربة غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لإنتاج محتوى دائمًا قابل للمشاركة.
لا يعني ذلك أن توثيق الذكريات خطأ، فالإنسان بطبيعته يحب الاحتفاظ بلحظاته الجميلة. لكن الفرق اليوم أن الذاكرة لم تعد خاصة، ولم تعد اللحظة ملكًا لنا فقط. أصبحت مشروطة بردود الفعل، بعدد الإعجابات، وبحجم التفاعل. اللحظة التي لا تُنشر تبدو أحيانًا ناقصة، وكأن قيمتها تقل إن لم يشهدها الآخرون. وحتى شعور الفرح أصبح مُقاسًا: كم عدد التعليقات؟ كم عدد المشاهدات؟ هل أعجبت الأصدقاء؟
ومع الوقت يتشكل ضغط غير مرئي؛ جمهور افتراضي يسكن وعينا حتى في أكثر لحظاتنا خصوصية. نختار المكان لأنه «قابل للتصوير»، ونرتب التفاصيل لتبدو مثالية، وربما نعيد تمثيل مشهد لأنه لم يُلتقط بالشكل المطلوب. حتى اللحظات العفوية تُعاد صياغتها أحيانًا لتلائم ما يُتوقع أن يراه الآخرون. وهكذا تتحول الحياة من تجربة عفوية إلى أداء مستمر، نعيش فيه ونحن نفكر كيف سنبدوا، لا كيف نشعر.
السؤال الأهم ليس: هل نستخدم المنصات كثيرًا؟ بل: هل تغيرت نوايانا ونحن نعيش؟ هل ما زلنا نفعل الأشياء لأننا نحبها فعلًا، أم لأننا نحب أن تُرى؟ هل ما زلنا نحتفل بالفرح لذاته، أم لنعرضه على الشاشة؟ هل نسافر للاستمتاع بالتجربة، أم لنشارك كل لحظة معها؟
قد لا نخسر حياتنا دفعة واحدة، لكننا نخسرها تدريجيًا كلما عشناها لنُرى، لا لنشعر. وبين الظهور والوجود.. فرق يستحق أن ننتبه له.
[email protected]
تغيّر سؤال الإنسان. لم يعد يسأل: ماذا أشعر؟ بل أصبح يسأل: كيف ستبدو هذه اللحظة؟



