هذه المطاردة قد تبدو في ظاهرها شغفًا، لكنها في عمقها توجساً وخوفاً، يتجلى ذلك الشعور في الخوف من الوحدة، ومن الرفض المجتمعي، ومن الشعور بأننا غير محبوبين، فترانا نُفرط في العطاء أحيانًا، ونتنازل عن حدودنا وحقوقنا أحيانًا أخرى، ونبرر سلوكياتنا تلك بأننا لا نريد خسارة العلاقة مع الآخرين. ومع كل محاولة لإرضاء الآخرين، نفقد جزءًا صغيرًا من ذواتنا، حتى نجد أنفسنا في علاقة لا تشبهنا، ولا تمثلنا، وعظمت تلك المطاردة في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.
حيث تظهر تلك الوسائل صوراً مثالية لأزواج مبتسمين، وعبارات رومانسية مُنمّقة، ولحظات مختارة بعناية تُعرض كأنها الحقيقة الكاملة؛ فنقارن واقعنا بما نراه، ونشعر بأن علينا اللحاق، وأن علاقتنا يجب أن تكون أكثر إثارة، وأكثر حضورًا، وأكثر إعلانًا. غير أن العلاقات الحقيقية لا تُقاس بعدد الصور، بل بعمق الأمان والصدق بين الطرفين.
وفي المقابل، يبرز مفهوم «الاختيار الواعي للحب» كمسار مختلف تمامًا، يقوم على أن الحب ليس هروبًا من الوحدة، بل مشاركة من موقع الاكتمال، حيث نختار الشريك لا لأننا نخاف أن نبقى وحدنا، بل لأننا نرى فيه قيمة مضافة لحياتنا، فندخل أبواب العلاقات الزوجية والصداقة ونحن نعرف من نحن، وما الذي نريده، وما الذي لن نقبل به، وما لا نقبل به. فالاختيار الواعي للحب يبدأ بعلاقة صحية مع الذات. حين نُصالح نقاط ضعفنا، ونتقبل تاريخنا، ونعترف باحتياجاتنا دون خجل، ونصبح أقل عرضة للتعلق المرضي وأكثر قدرة على بناء ارتباط متوازن. فالحب الواعي لا يقوم على الامتلاك، بل على الاحترام. ولا يقوم على التعلق القلق، بل على الثقة المتبادلة.
وتتجلى المطاردة العاطفية في الإفراط في تحليل كل رسالة، وكل تأخير في الرد، وكل تغير في النبرة، فترانا نعيش في حالة ترقب دائم فنُرهق أنفسنا بأسئلة لا تنتهي. أما عندما نعيش حالة الحب الواعي نشعر بمساحة كافية من الطمأنينة، ونُدرك أن الطرف الآخر مستقل بمشاعره ووقته، وأن العلاقة لا تحتاج إلى مراقبة مستمرة كي تستمر، ويمكننا الاختيار الواعي من القدرة على الانسحاب حين تتحول العلاقة إلى استنزاف، فليس كل تعلق حبًا، وليس كل استمرار وفاءً، وفي أحيان كُثر يكون الانفصال احتراماً للذات، وخصوصاً عندما نغادر تلك العلائق المستنزفة لطاقتنا والمنتهكة لقيمتنا.
الحب الواعي لا يعني علاقة بلا خلافات، بل علاقة تُدار خلافاتها بنضج، لا يعني غياب الألم، بل وجود التزام بحماية بعضنا من الأذى المتعمد، فذواتنا ليست ساحة لإثبات الجدارة العاطفية، ولا منصة لاستجداء الاهتمام.؛ بل هي كيان يستحق أن يُحب دون شروط مهينة، وتنازلات تمس الكرامة. وبين المطاردة العاطفية والاختيار الواعي للحب، يكمن الفرق بين علاقة تُرهق الروح، وأخرى تُنمّيها.
[email protected]



