ففي إحدى الجهات، برز موظف شاب خلال سنواته الأولى بفضل اجتهاده وتطويره المستمر لنفسه. حصل على شهادات احترافية، وأسهم في تحسين بعض الإجراءات، وقدم أفكارًا تطويرية انعكست على سرعة الإنجاز وجودة الخدمة. في البداية، لقي دعمًا وتشجيعًا، لكن مع تزايد حضوره المهني، بدأ يواجه مقاومة غير معلنة. ظهرت عبارات من قبيل: «يستعجل التميز»، و»يتجاوز دوره»، و»يبحث عن الظهور». لم تكن المشكلة في جودة عمله، بل في أن نجاحه كشف فجوة في الأداء لدى آخرين. ومع الوقت، جرى تجاهل بعض مبادراته، والتقليل من أثر جهوده في الاجتماعات. وبعد سنوات، غادر إلى جهة أخرى أكثر احتضانًا للكفاءات. النتيجة لم تكن خسارته وحده، بل خسرت المؤسسة طاقة وطنية كان يمكن أن تسهم في تحقيق أهدافها التطويرية.
هذه القصة ليست استثناءً، بل نموذج يتكرر في بيئات لم تحسم خيارها بعد بين ثقافة التمكين وثقافة الإعاقة. وأخطر ما تسببه عقلية القبقب هو الإحباط النفسي والتشكيك بالذات. فالفرد المجتهد يبدأ بالتساؤل: هل الخطأ فيّ؟ هل يجب أن أتوقف عن المبادرة؟ هل النجاح يستحق كل هذا العناء؟ ومع تكرار الرسائل السلبية، قد يختار أحد مسارين: الانكماش والركود حفاظًا على العلاقات، أو المغادرة بحثًا عن بيئة صحية. وفي كلا المسارين، تتبدد الطاقات وتضيع الفرص. فعلى المستوى المؤسسي، تتجاوز آثار عقلية القبقب الأفراد لتنعكس مباشرة على الأداء العام، ومن أبرز نتائجها: انخفاض كفاءة الأداء نتيجة محاربة المبادرات، وهدر الطاقات البشرية بهجرة الكفاءات، وضعف الابتكار والخوف من التجربة، وترسيخ ثقافة الحد الأدنى بدل ثقافة التميز.
عقلية القبقب وكفاءة الإنفاق ومن الزوايا التي لا تحظى بالاهتمام الكافي، العلاقة بين عقلية القبقب وكفاءة الإنفاق. فعندما تُعطّل الأفكار التطويرية بدوافع شخصية، أو يُهمّش أصحاب المبادرات، فإن المؤسسة لا تخسر موظفًا مجتهدًا فحسب، بل تخسر استثمارًا معرفيًا كان يمكن أن ينعكس على تبسيط الإجراءات، وتقليل الهدر، وتحسين استغلال الموارد. عقلية القبقب تُنتج قرارات قصيرة النظر، تُفضّل الإبقاء على الوضع القائم لأنه “آمن”، حتى وإن كان مكلفًا وغير فعّال. ومع مرور الوقت، تتحول هذه العقلية إلى عائق أمام التحول الرقمي، وتطوير نماذج العمل، ورفع كفاءة العمليات، وهي مسارات جوهرية في تحقيق مستهدفات التحول الوطني.
ولا شك أن عقلية القبقب تتعارض مع الرؤية الوطنية حيث تقوم على مفاهيم الشفافية، والمساءلة، وربط الأداء بالنتائج، وهي مفاهيم لا يمكن أن تزدهر في بيئة يُحارب فيها التميز أو يُفرغ من مضمونه. كما أن عقلية القبقب تتعارض مع مبادئ الحوكمة الرشيدة التي تقوم على العدالة، وتكافؤ الفرص، وربط الصلاحيات بالمسؤوليات. فحين يُكافأ الجمود، ويُحاصر الاجتهاد، تختل معادلة الأداء، وتضعف الثقة الداخلية، ويصبح الالتزام شكليًا لا نابعًا من قناعة، ما ينعكس سلبًا على الاستدامة المؤسسية.
ولا شك أن التخلص من عقلية القبقب لا يتم بالشعارات، بل عبر سياسات واضحة تبدأ من عدالة التقييم وربط الحوافز بالأداء، وحماية المبادرات من الإحباط غير المعلن، وتحويل النجاح الفردي إلى قصة نجاح مؤسسية، وبناء قيادات ترى في التميز قيمة مضافة لا تهديدًا، فالمؤسسات الناجحة لا تخشى المقارنة، بل تستثمر فيها، ولا تحارب التفوق، بل تحوّله إلى معيار يرفع الجميع.
وأخيراً عقلية القبقب ليست مجرد سلوك فردي، بل مؤشر على خلل ثقافي إذا لم يُعالج، فإنه يُعيق كفاءة الأداء، ويهدر الموارد، ويؤخر الوصول إلى مستهدفات رؤية 2030. أما المؤسسات التي تنجح في تجاوز هذه العقلية، فهي الأقدر على تحقيق الاستدامة، وتعظيم الأثر، والمساهمة الفاعلة في بناء اقتصاد مزدهر ووطن طموح. ففي معركة التنمية، لا مكان لمن يسحب الآخرين إلى الخلف، بل لمن يصنع بيئة تُمكّن الجميع من الصعود.
[email protected]



