من هذا المنطلق، تبنّى المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية نهجاً استراتيجياً يقوم على تفعيل «المشاركة المجتمعية» بوصفها ركيزة أساسية في الحماية البيئية، لا كعنصر مكمل، بل كأداة فاعلة في المعالجة والتخطيط واتخاذ القرار. ويظهر هذا التوجه بوضوح في آلية التعامل مع عدد من القضايا البيئية المعقدة، وفي مقدمتها ملف انتشار قرود البابون وتداخلها مع النطاقات العمرانية.
نموذج «البابون»: من الحلول الأمنية إلى المعالجة المجتمعية
فبدلاً من الاقتصار على الحلول الفنية المعزولة، عمل المركز على إشراك المجتمعات المحلية في فهم أسباب المشكلة ومعالجتها. وقد توجت هذه الجهود بالزيارات الميدانية المكثفة التي أجراها الرئيس التنفيذي للمركز د. محمد علي قربان، لتعزيز التنسيق مع شركاء النجاح في المناطق المتضررة، حيث حظيت هذه التحركات بدعم كبير من أصحاب السمو أمراء المناطق ووكلائهم، وأمانات المدن، وفروع الوزارات ذات العلاقة.
وقد أثمر هذا التناغم المؤسسي عن جهود حكيمة تسعى لتقليل الأضرار الناجمة عن هذه الظاهرة التي قد تثير الذعر، وتتسبب في تدمير المحاصيل الزراعية، ونشر نباتات غازية وأمراض غير متوقعة. وركزت فرق المعالجة والمكافحة على حقيقة أن السلوك البشري يمثل عاملاً حاسماً في تفاقم الظاهرة؛ لذا استهدفت المبادرة تصحيح المفاهيم، والحد من إطعام البابون، وتحويل المجتمع عبر برامج التوعية من طرف متأثر إلى شريك فاعل في الحل، مستفيداً من خبراته المحلية ومعرفته التراكمية بطبيعة المنطقة.
فلسفة الشراكة والتخطيط التشاركي
ويعكس هذا التوجه فهماً عميقاً للفرق بين الشراكة والمشاركة؛ فالشراكة تمثل الإطار المؤسسي الذي يجمع الجهات الحكومية والمجتمع والقطاع الخاص، بينما تجسد المشاركة الفعل العملي الذي يترجم هذا الإطار إلى ممارسات واقعية. ويمتد هذا الدور ليشمل تخطيط المناطق المحمية، حيث يحرص المركز على إشراك المجتمعات المحلية في مراحل التخطيط المبكر، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030» التي تؤكد على دور المجتمع في مشاريع التنمية المستدامة، مما يسهم في تصميم محميات أكثر واقعية تراعي الاستخدامات التقليدية وأنماط التعايش.
المشاركة جواز عبور نحو العالمية
ولعل الأثر الأبرز لهذا النهج التشاركي يتجاوز النطاق المحلي ليشكل جسر العبور نحو العالمية؛ فالمشاركة المجتمعية الفعالة تُعد اليوم شرطاً جوهرياً لتسجيل المحميات الوطنية في القوائم الدولية المرموقة. إذ تضع منظمات كبرى مثل الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة «IUCN» ومنظمة اليونسكو معيار «الحوكمة الرشيدة والمشاركة العادلة» في مقدمة معاييرها لتقييم المحميات.
فعلى سبيل المثال، يتطلب إدراج أي محمية على «القائمة الخضراء» للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة إثبات وجود إدارة تشاركية تضمن حقوق المجتمع المحلي وتدمجه في صنع القرار. وبالمثل، فإن تسجيل المواقع ضمن برنامج «الإنسان والمحيط الحيوي» «MAB» التابع لليونسكو، يستند بشكل كبير إلى مدى التناغم بين صون الطبيعة ورفاهية السكان. وعليه، فإن تمكين المجتمعات المحلية يمنح المحميات السعودية «صك الاعتراف الدولي»، ويضعها بقوة على خارطة السياحة البيئية والتراث العالمي.
دعوة للقطاع الخاص
إن الدور الذي يقوم به المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية يعكس انتقالاً نوعياً من نموذج العزل والمنع إلى نموذج تشاركي يضع الإنسان في قلب المعادلة البيئية. وفي ظل هذا العمل المؤسسي الرصين، تظل الدعوة قائمة ومفتوحة للقطاع الخاص - من بنوك وشركات كبرى ورجال أعمال - لتبني برامج داعمة وتفعيل دور المسؤولية الاجتماعية، للمساهمة في تحقيق التطلعات الوطنية بجودة حياة أفضل، عبر بيئة مصونة ومجتمع واعٍ ومشارك.
أستاذ التوعية البيئية والدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود
[email protected]



