في البداية وبشكل مبسط؛ سياسات «التوطين الكمي» تُدار غالباً بمنطق «خفض البطالة سريعًا، توسيع الاستيعاب، امتصاص الداخلين الجدد لسوق العمل»، والناتج من ذلك وظائف منخفضة الجودة من حيث «الأجر، المهارة، الاستقرار»، بينما سياسات «التوطين النوعي» تُدار بمنطق «تحسين الدخل، رفع الإنتاجية، بناء قاعدة مهارية وطنية، وتوجيه الاقتصاد نحو قطاعات أعلى قيمة مضافة».
من المهم أن يكون هناك تحول جوهري في استراتيجية سياسات سوق العمل للسنوات الخمس القادمة، وتوضيح الاختصاصات بناء على حوكمة مشتركة ومؤشرات موحدة تمنع تنازع الأهداف بين «ترقية الوظائف» و»تسريع التوطين»، وعدم الاعتماد فقط على رفع معدلات توطين القطاعات بشكل كامل مما ينتج من ذلك وظائف طبيعتها «منخفضة الأجر، محدودة الاستقرار، ضعيفة الأثر على النمو»، وأساس هذه الاستراتيجية هو التركيز على منطق «ترقية الوظايف والرفع من قيمتها» بدلاً من منطق «خفض معدلات البطالة فقط»، حتى نصل إلى مفهوم وظيفة «منتجة، مستقرة، تطويرية لها مسار وظيفي واضح، أجر تنافسي»، وهذا التحول هو الأساس لتوفير وظائف ذات قيمة عالية لاستدامة الدخل وتحسين مستوى المعيشة بصورة صحية.
يتساءل البعض عن دور وزارة الموارد البشرية وَوزارة الاقتصاد والتخطيط فيما يخص وظائف سوق العمل، ففي الوقت الحالي وزارة الموارد البشرية تختص في وضع التشريعات وحوكمة سوق العمل والاشراف على التوطين وتنظيم العلاقة التعاقدية بالإضافة لرفع مستويات الامتثال، وتتحمل مسؤولية تحسين جميع مؤشرات سوق العمل بشكل منفرد، والاستمرار في هذا الدور بإنفراد غير صحي اقتصادياً ولن يكون كافياً للمرحلة المقبلة، والتي ينبغي أن يتحول الدور الأكبر فيها وقيادة ملف التحول في سوق العمل لوزارة الاقتصاد والتخطيط، وذلك من خلال توجه «أين وكيف تُخلق الوظائف التي ترفع القيمة الاقتصادية والاجتماعية في سوق العمل».
كوجهة نظر شخصية؛ أرى أن قراءة مفهوم «ترقية الوظائف» على أنها مجرد وظائف ذات أجور مرتفعة هو قراءة سطحية إقتصادياً، فالأجر ليس سبباً مستقلاً لترقية الوظائف في سوق العمل، بل هناك عدة عوامل منها «إنتاجية العامل، مستوى وندرة المهارات والتخصصات، درجة الاستقرار والأمان الوظيفي، وقابلية التطور والترقية من خلال مسارات مهنية». ولذلك، في السنوات القادمة من المهم أن تكون نظرتنا في «كم وظيفة خلقنا؟، وما نوع الوظائف التي خلقناها؟، وما أثرها على دخل الأسرة والإنتاجية»، والايجابية على تلك التساؤلات تتطلب سياسات إقتصادية وتخطيطية أوسع من خلال اعتماد حوافز متنوعة مستدامة للقطاع الخاص، وتكون موجهة إلى «التوظيف المنتج المستدام» بدلاً من «التوظيف السريع».
ختاماً؛ رؤية المملكة ليست برنامج توظيف مباشر، بل مشروع لإعادة توزيع ثقل الاقتصاد نحو قطاعات جديدة مميزة، وهذا هو المسار الطبيعي لرفع جودة الوظائف، فكلما زادت جودة الوظائف من خلال ترقيتها في سوق العمل فسينتج من ذلك ازدياد لفرص تحسن الدخل الحقيقي للفرد العامل بسوق العمل، وهذا ينعكس على «زيادة الاستهلاك داخل الاقتصاد، رفع مستويات الادخار والاستثمار، رفع مستويات الحماية الاجتماعية».
مستشار موارد بشرية
[email protected]



