قال -رضي الله عنه-: أو قال ذلك؟
قالوا: نعم.
قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق.
قالوا متعجبين: أو تصدقه إنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟!
قال -رضي الله عنه وأرضاه- بإيمانه وحكمته المعروفة: نعم، أني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غُدُوِّه أو رَوْحِه، يعني: أصدقه أنه ينزل عليه ملك من السماء ثم يعود في طرفة عين، فلذلك سمي أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-.
أولاً: ما أحوج القائد في كل بيت، وفي كل مؤسسة إلى من يشاركه طريق النجاح، فلا بد من الصديق الصدوق الذي يثق بقائده. ولذلك، احرص على اختيار من حولك حتى يكونوا خير معينين لك في مسيرتك.
ثانياً: نحتاج إلى الثقة بين الأصدقاء حتى تتجلى معاني الصداقة الجميلة، فالصداقة بين المتخوفين من بعضهم، والمتربصين ببعضهم، وسيئي الظن ببعضهم، هي صداقة مشوهة ومخيفة ولا يمكن أن تكون صداقة مريحة ولا نافعة ولا طويلة المدى، وما أسرع ما يتبرأ بعضهم من بعض.
تستغرب عندما يتخلى الأخ عن أخيه والصديق عن صديقه بسبب كلمة سمعها منه ففسرها التفسير غير المناسب، وتتعجب عندما يتلاعب شخص بأخوة وأصدقاء، فيدمر عرى الأخوّة والصداقة، وتتألم عندما يتفرق الأخوة والأصدقاء بسبب أطماع دنيا زائلة، مهما كان حجمها لا يمكن أن تكون بحجم الخسائر التي تترتب عليه دنيا وآخرة.
كلما ذهبت إلى عزاء أب رحل، حرصت أن أقول كلمة للأبناء: يوم أن رحل عمود البيت جعله المولى في عليين احرصوا على أن لا تتفرقوا بعده، فتشمتوا بكم من يستحق ومن لا يستحق.
باختصار: نحن بحاجة إلى «ثقة أبي بكر» في زمن كثرت فيه الشكوك، بحاجة إلى صداقات صادقة لا تهزها الشائعات، وإلى قلوب تعرف الوفاء كما عرفه الصديّق -رضي الله عنه-.. فالصداقة الحقيقية عهد، وليست مجرد علاقة عابرة.
[email protected]


