واليوم، وبعد خمسين عاماً من العطاء المتواصل تحت مظلة جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل، نقف لنحتفي بيوبيل ذهبي لا يُقاس بالسنوات؛ بل بالأرواح التي أُنقِذت، والآلام التي خُفِّفت، والآمال الذي زُرعِت في قلوب الآلاف من النّاس.
لم تكن هذه الكلية مجرد مؤسسة أكاديمية، بل كانت ولا تزال مصنعاً للرحمة والإنسانية والعطاء. على مدار خمسة عقود، تخرج في أروقتها سبعة آلاف طبيب، لم يحملوا شهادات فحسب؛ بل معانٍ ورسالة سامية تجاوزت العلم، هم الذين أصبحوا اليوم منارات في كُلِّ مستشفى، ومركز صحي، حيث باتوا يبثون الطمأنينة في نفوس المرضى، ويقفون حراساً أوفياء على صحة المجتمع في أوقات الرخاء والشِدَّة.
يقينا هذه هي المؤسسة قد غيرت وجه الخدمات الصحية في المنطقة الشرقية، وامتد أثرها إلى كُلِّ ربوع مملكتنا الغراء. من القرى النائية والحضر. لتصبح مرجعاً أكاديميا طبياً يُشار إليه بالبنان، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، والطّارفِ والتليد من التقنيات الطبيّة، ولم تتوقف عن التطور والتّجدُّد؛ فاستقبلت أجيالاً متعاقبة من الطلاب والطالبات الذين حلموا أنْ يكونوا بلسماً لتخفيف آلام الآخرين، ساعدهم على ذلك الإعداد المتميِّز حيثُ وفرت لهم الجامعة بيئة تعليمية جمعت بين النظرية والتطبيق، بجانبِ غرس القيم والأخلاق الطبية والإنسانية السّامية قبل المهارات التقنية. ولهذا لم تخرّج أطباء فقط؛ بل خرّجت قادة في المجال الصحي، باحثين ومبتكرين، أساتذة ومعلمون نقلوا المعرفة لأجيال جديدة.
لقد كان خلف كل إنجاز لهذه الكلية قصص إنسانية مؤثرة: أستاذ جامعي يقضي ليلة بنهاره مع مرضاه، وآخر يقضي يومه مع طلابه يراعيهم، وآخرون يَجِدُّونَ الطلب في حركة بحثية دؤوبة، وطالب طب نسي تعبه وهو يرى مريضاً يبتسم بعد معاناة، وخريج عاد إلى قريته ليكون أول طبيب فيها لينير دربها. هذه الحكايات من العطاء، تبرهن أنها لم تبنِ جدراناً فقط؛ بل بنت جسوراً من الثقة بين المجتمع والطب، وزرعت الأمل في نفوس من ظنوا أن المرض نهاية الطريق.
خلاصة القول: خمسون عاماً من العطاء ليست نهاية المطاف؛ بل هي محطة للتأمل والفخر والامتنان، ومؤسسة تعليمية باتت جزءاً من نسيج المجتمع السعودي، ونحنُ نحتفي باليوبيل الذهبي، نتطلع بثقة إلى المستقبل، الذي تستمر فيه هذه المنارة في إضاءة الطريق نحو صحة أفضل، وحياة أكرم لكل أبناء هذا الوطن الغالي.
[email protected]



