اليوم، نحن لا نستهلك المحتوى فحسب، بل نُستدرَج إليه، وننخرط فيه دون وعي بحدود تأثيره أو كلفته المعرفية، حتى بات جزءًا من ممارساتنا اليومية التي تشكّل تفكيرنا، وتعيد تشكيل انتباهنا، وتؤثر في قدرتنا على التركيز والتأمل العميق، ومع هذا التدفق تتحول المنصات الاجتماعية من فضاءات للتواصل والمعرفة إلى بيئات مُشبِعة بالمثيرات السطحية، تُكافئ السرعة على حساب العمق، والكم على حساب المعنى، الأمر الذي يفرض تساؤلات جوهرية حول علاقتنا بالمحتوى، ودورنا كمستهلكين وباحثين في فهم هذه الظاهرة، ورصد انعكاساتها على الفرد والمجتمع، والسعي إلى مقاربات علمية تفسّرها وتحدّ من آثارها المتنامية.
ومع اطلاعي على الدراسات العلمية بهذا المجال، رصدت مفهوم جديد يتداخل مع ذات الظاهرة ألا وهو «تعفن السرير» ورغم أن الاسم قد يبدو غريبا للوهلة الأولى، إلا أننا يمكن تبسيطه على أنه تمضية ساعات طويلة في السرير دون نوم، بل بالانشغال بأنشطة خفيفة مثل تصفح الهاتف، مشاهدة الأفلام، الاستماع إلى الموسيقى، أو تناول وجبات سريعة.
هذه المفاهيم قادتني لتساؤلات عميقة حول تأثير ما نتلقاه ونعيشه في ظل هذه الثورة الرقمية التي تحيط بنا وتسيطر علينا في أغلب الأحوال، وفي ظل تدفق المحتوى بالمنصات الاجتماعية على اختلافها، لمَ تشكّلت هذه المفاهيم؟ وهل نحن في حضرة «التعفّن» فعلًا، أم أمام توصيفٍ رمزيٍّ لحالة إنسانية أعمق تعكس إرهاق الدماغ في زمن الوفرة الرقمية؟ وهل يكمن الخطر في المحتوى ذاته، أم في أنماط الاستهلاك التي اعتدناها دون مساءلة، حتى بات التلقي فعلًا آليًا يفتقر إلى الوعي والانتقاء؟
إن هذه التساؤلات لا تنبع من تهويلٍ أخلاقي للتقنية، ولا من تداعي لأمراض نفسية وطبية جديدة، بقدر ما تمثل دعوة للتأمل النقدي في علاقتنا بالمحتوى، وحدود قدرتنا على إدارة انتباهنا في بيئة صُممت لاستنزافه، فبين «تعفن الدماغ» و«تعفن السرير» تتجلى صورة واحدة: إنسان مثقل بالمثيرات، حاضر جسديًا وغائب ذهنيًا، يبحث عن الراحة في الاستهلاك السريع، فيجد نفسه أكثر إنهاكًا.
ومن هنا، تتبدّى الحاجة الملحّة إلى قراءة علمية رصينة تفكك هذه الظواهر، وتربطها بنظريات الإعلام وعلم النفس، لا بوصفها عناوين رائجة، بل كمؤشرات على تحولات عميقة في الوعي والسلوك، تستحق أن تكون في صلب البحث الأكاديمي لا على هامشه.
هذا المقال، هو وقفة تأمل للواقع الذي نعيشه، ومنبر لمناقشة ظواهر باتت جزء منا، فإن لم نحتويها في بداية شيوعها، سيصعب ذلك حين تبلغ ذروتها - لا سمح الله.
[email protected]



