سوق العمل في المملكة يعيش تحولات سريعة ينتج منها نمو لقطاعات جديدة، وهذا التحول إيجابي لكن بطبيعته يخلق اعادة هيكلة مستمرة، حيث نرى منشآت تكبر وتتوسع وأخرى تعيد تنظيم وظائفها، ومهارات تُطلب وأخرى يقل الطلب عليها، ولذلك التوطين القطاعي مهم جداً لأنه يستهدف تسريع وتيرة الإحلال والدمج بالإضافة للتمكين للكفاءات الوطنية في القطاعات المختلفة.
كوجهة نظر شخصية أقترح في هذه المرحلة أن يتم إنشاء مجلس في كل قطاع تشرف عليه الوزارات الحكومية تحت مسمى «مجلس الأمان الوظيفي» والذي يعرف بـ -Job Security Council-، ويتكون أعضائه من أطراف الإنتاج الثلاث «مختصين في التوطين وأسواق العمل من أصحاب العمل في تلك القطاعات بالإضافة لعضوية من اللجنة الوطنية للجان العمالية، وأعضاء من القطاع الحكومي المستهدف»، مما يدعم الحوار الاجتماعي البناء بين أطراف الإنتاج الثلاث حول مستقبل سوق العمل في كل قطاع.
الهدف الرئيسي من إنشاء هذه المجالس يتركز في تحويل التحديات الوظيفية الخاصة بالأمان والاستقرار الوظيفي في تلك القطاعات إلى فرص حقيقية بالسوق، وتقديم التوصيات اللازمة لنجاح استراتيجية التوطين القطاعي من خلال رفع مؤشرات الاستدامة والاستقرار، ووجود مثل هذه المجالس سيكون له دور مهم في تعزيز المرونة الهيكلية لسوق العمل لمواكبة التغيرات التكنولوجية والاقتصادية السريعة، وسيكون بمثابة ولادة لنظام «إنذار مبكر» لتحديد القطاعات والمهن المعرضة للتغير والتي تواجه تحديات في الاستقرار الوظيفي، وأيضاً سيساهم وجودها في تعزيز الثقة في سوق العمل من خلال توفير شبكة أمان مؤسسية خاصة في الوظائف الأكثر عرضة للفقدان.
يحكم قربي من سوق العمل، أرى أن تطبيق هذا التوجه سيعزز من تحقيق التوازن القطاعي في سوق العمل، وسيخفف من التأثيرات الاقتصادية عند تأثر أو تغير قطاع معين، وسيكون هناك تنافس أكبر في تنمية المهارات المحلية المتناسبة مع الميزات التنافسية لكل قطاع مما يساهم في استقرار الوظائف فيه.
تلك المجالس ستكون حلقة وصل استشارية مهمة مابين وزارة الموارد البشرية والقطاعات الحكومية فيما يخص معالجة التحديات في سوق العمل، والتشاور حول سياسات سوق العمل والتشريعات ذات الصلة في رفع مؤشرات الاستدامة والأمان الوظيفي للقطاع نفسه، وأقترح البدء بثلاث قطاعات كمرحلة أولى «الصناعة بحكم المميزات العديدة التي تم منحها لهذا القطاع، التجزئة بحكم تنوع وتوسع الوظائف فيها، وقطاع السياحة بحكم أهميته في التحول الاقتصادي التي تشهده المملكة في هذا القطاع»، وذلك حتى يتم بناء نماذج ناجحة قابلة للتكرار.
هذا التوجه سيواجه تحديات في بداية التطبيق ولا أرى أنها مُقلقة، وتكمن أهم تلك التحديات في مقاومة التغيير من بعض القطاعات التقليدية والتي لم تشهد تطوراً ملحوظاً تماشياً مع المتغيرات العالمية في القطاع نفسه، وتعقيد التنسيق بسبب ثقافة الاعتماد على وزارة الموارد البشرية بشكل مستقل في مواجهة موضوع «الأمان والاستقرار الوظيفي».
ختاماً؛ مهم جداً أن تكون السنوات الخمس القادمة عنوانها «نحو سوق عمل مرن ومستقر»، وأُجزم بأن تطبيق هذا التوجه سيرسخ من مكانة سوق العمل السعودي كسوق رائد في ابتكار سياسات سوق العمل بالمنطقة، ويقدم نموذجاً يحتذى به في إدارة التحولات الاقتصادية الكبرى بطريقة إنسانية ومنتجة.
مستشار موارد بشرية
[email protected]



