حين تُمحى الذاكرة من المدينة!..هل تخطئ المدن حين تزيل معالمها؟
في كل مدينة حكاية تُروى ليس فقط في كتب التاريخ، بل على أرصفتها، في ميادينها، وبين جدران معالمها القديمة التي صمدت لأكثر من أربعين عامًا، تشهد على التحولات، والوجوه، واللحظات، لكننا اليوم نشهد موجة متسارعة من إزالة تلك المعالم واستبدالها بجديدة أكثر حداثة، وغالبًا أقل عمقًا.
تقوم بعض البلديات بحسن نية وربما بدافع التحديث بإزالة مجسمات ومرافق شكلت جزءاً من هوية المكان، ولعل السؤال الذي يجب أن يُطرح: لماذا لا نُبقي القديم كشاهد، ونبتكر الجديد في موقع آخر؟ أليس من الأجدر أن نحفظ إرث المدينة ونرسم خارطة تاريخها الحي بدلاً من شطبه كل مرة نرغب بالتجديد؟
في مدينة باريس مثلًا لم تُمس ساعة "متحف أورسيه" التي تعود للقرن التاسع عشر رغم التجديدات، بل تم تحويلها إلى عنصر جمال بصري وثقافي.
وفي نيويورك، ما زال تمثال "Charging Bull" في "وول ستريت" قائمًا منذ 1989 رغم التغيّرات الكبرى حوله، لأنه بات جزءًا من هوية المدينة وذاكرتها الحية، أما في طوكيو، فالمعادلة أكثر توازناً فالتحديث قائم، لكن معالم مثل "قبة القنبلة الذرية" تُحفظ كما هي، لتروي قصصًا لا تُنسى.
يقول "يان غيل" أحد أبرز مخططي المدن في العالم:
" المدينة التي لا تحفظ ذاكرتها تُشبه الإنسان المصاب بفقدان الذاكرة، يفقد هويته ولا يعود يعرف من هو".
حين تزيل بلدية أو جهة ما ما مجسمًا أو نافورة أقيم قبل عقود، فهي لا تهدم حجارة فقط، بل تزيل لحظة زمنية، وتضعف جذراً من جذور الانتماء، التحديث مطلوب لكنه لا يعني محو الذاكرة.
ربما حان الوقت لإعادة التفكير، بكيف يمكننا أن نحافظ على المعالم كإرث حضري وثقافي، ونصنع في ذات الوقت معالم جديدة تُكمل القصة لا تُنهيها؟
فلنُبقِ القديم ناطقاً فبعض المجسمات أبلغ من ألف كتاب وبعض الميادين أحكم من كثير من القرارات.



