في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية، لم تعد المسؤولية الاجتماعية للشركات مجرد مبادرات خيرية، بل عنصراً استراتيجياً في بناء الثقة، وتعزيز الاستدامة وتحقيق أهداف التنمية الوطنية والعالمية. لكن، ومع تزايد دور الشركات في هذا المجال، يبرز سؤال ملحّ: هل لا زلنا نعيش عصر الدهشة في المسؤولية الاجتماعية أم التسارع الكبير في التنمية والسيولة الإعلامية يجعلنا نترقب إنشاء جهة تُنظم وتوجّه هذا النشاط المتنامي؟
في المملكة العربية السعودية، شهدت السنوات الأخيرة قفزة نوعية في هذا المجال بدعم مباشر من رؤية المملكة 2030، التي أكدت على دور القطاع الخاص في تحقيق التنمية الوطنية.
أنشأت العديد من الشركات الكبرى إدارات متخصصة للمسؤولية الاجتماعية، تنفذ برامج في التعليم، والبيئة، وتمكين الشباب والمرأة ومختلف المجالات الأخرى وتخصص في مجالات محددة تنعكس على استراتيجية الشركة وتتواءم مع مستهدفات الرؤية وتحقق التنمية المستدامة.
كما أطلقت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية الاستراتيجية الوطنية للمسؤولية الاجتماعية عام 2023، التي تهدف إلى توحيد الجهود وتعزيز الشفافية، وأسست إدارة للمسؤولية الاجتماعية تعمل بكل جهد لتكامل الأدوار والحث على النهوض بالمسؤولية الاجتماعية بأعلى المعايير. هل باتت الحاجة إلى استحداث هيئة وطنية للمسؤولية الاجتماعية؟
إن استحداث هيئة للمسؤولية الاجتماعية من شأنه أن يوحد جهود كل الوزارات التي تشرف على الشركات في القطاع الخاص، كما تساهم في رفع مؤشرات أهداف التنمية المستدامة المناطة بوزارة التخطيط والاقتصاد. وهذا التفكير حول إنشاء هيئة وطنية ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة تنظيمية لجمع الجهود وتوحيد الرؤية بين القطاعين العام والخاص والقطاع غير الربحي ومؤسسات المجتمع المدني والأفراد.
هذه الهيئة المتخصصة ستكون رافداً اقتصادياً وتنموياً للوطن من خلال تعزيز التكامل بين الجهات الحكومية والشركات مما يسهم في تخفيف الأعباء المالية على ميزانية الدولة عبر تحفيز القطاع الخاص لزيادة مساهماته في برامج المسؤولية الاجتماعية. كما أن هيئة كهذه يمكن أن تساهم في:
• وضع معايير قياس الأثر الاجتماعي للشركات.
• ضمان الشفافية والمساءلة في تنفيذ المبادرات بشكل أعمق.
• خلق بيئة محفزة للاستثمار في الإنسان والمجتمع.
• استحداث وتفعيل محفزات للشركات الأعلى تأثيراً في المجتمع ومن تحقق أهداف التنمية في جميع مناطق المملكة. بهذا، لا تصبح المسؤولية الاجتماعية نشاطاً طوعياً فحسب، بل ركيزة من ركائز التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة في السعودية.



