يقول الاقتصادي الأمريكي روبرت شيلر "أن هذا العالم مدفوع بالقلق، فالتحفيز الذكي وفق المشاعر الإنسانية كالأمل والقلق، تحرك الأسواق والأفراد". وفي مقاله له عام 2015، كتب "منذ اندلعت الأزمة المالية العالمية عام 2008، هناك نقاط ضعف كثيرة متبقية تعيب الاقتصاد العالمي كالخوف الذي يدفع الناس إلى تقييد إنفاقهم ويدفع الشركات إلى حجب استثماراتها، ونتيجة لهذا يضعف الاقتصاد، فتتأكد المخاوف ويزداد الإنفاق تقييداً. ويزداد الانكماش عمقاً، وتنشأ حلقة مفرغة مسيطرة من اليأس. ورغم مرور الأزمة، لانزال عالقين في الدورة العاطفية التي حركتها".
حسناً، صنعت الأزمة فجوة متفاوتة في كافة الأسواق بالعالم، ولكن البيئة الاجتماعية المحفزة والتي تبني القواعد الآمنة، صنعت أيضاً فارق بين أسواق حذرة ومضطربة ومهيمنة، وبين أسواق نشطة ومندفعة ويمكنها العيش مع المخاوف، لتحول من المخاطرة حافز يحرضها على النشاط الذي لا يتوقف، هذه هي أسواقنا الصغيرة التي تصنع اليوم اقتصادها المحلي بما يليق ببيئتها الأكثر مرونة وقوة مما نظن. فهاجس الأمل لديها أكبر من القلق. ويبدوا أنها سمة عربية/شرقية بامتياز.
في تقرير لصندوق النقد الدولي _آفاق الاقتصاد الإقليمي للشرق أوسط وآسيا الوسطى_ وصف الأداء الاقتصادي في تلك المنطقة بالصلابة، على الرغم من كل الظروف المحيطة في المنطقة، وحالة عدم اليقين العالمية والتوترات الجغرافية-السياسية الإقليمية المستمرة. بل ويتوقع ارتفاع النمو تدريجيا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بدعم من إنتاج النفط والطلب القوي والإصلاحات، وأن كانت المخاطرة محدقة باستمرار تراجع الطلب العالمي، وزيادة تشديد الأوضاع المالية، وتجدد عدم الاستقرار الجغرافي-السياسي، والصدمات المناخية، جميعها عوامل قد تؤثر. وهذا يجعل الانضباط المالي، والإصلاح الهيكلي، وتعزيز أطر السياسات عناصر أساسية للحفاظ على النمو الدائم.
فيما أشاد تقرير احدث للصندوق بعنوان "تعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الصدمات العالمية: الآفاق الاقتصادية والتحديات السياسية لدول مجلس التعاون الخليجي" بالسياسات الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي، ونجاحها المرحلي في التوجه نحو اقتصاد مستقل عن النفط، وإن كان انتاج النفط والغاز لايزال يدعم الاقتصاد، ولكن سياسات الإصلاح والاستثمار في المشاريع، يبدوا أنها الوسادة الآمنة في خضم اقتصاد متأرجح وغير مستقر" وتميل المخاطر على المدى القريب إلى الهبوط، حيث قد تنخفض أسعار النفط وتزداد الظروف المالية صعوبة في ظل حالة عدم اليقين العالية. وعلى المدى المتوسط، تشكل التحولات الهيكلية العالمية المستمرة مخاطر ذات وجهين على اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي".
أما تقرير مجموعة البنك الدولي فتوقع أن ينمو إجمالي الناتج المحلي في المنطقة بنسبة 2.8% في عام 2025 و3.3% في عام 2026، مدفوعاً بأداء أقوى من المتوقع في دول مجلس التعاون الخليجي والبلدان النامية المستوردة للنفط.
وعليه يمكننا أن ندرك، أن مجتمعنا بكل عاداته وتقاليده واعرافه وأخلاقياته ودينه، وبيئته المرنة، يساهم في صنع سلوك "التحفيز الذكي" بتوجيه الافراد نحو القرارات الافضل، وله مردود عالي بتشجع الشباب على العمل وكسب العيش والاعتماد على النفس وبتحمل المسؤوليات دون الخوف من المستقبل كما في البيئات المتقدمة التي تحول الامل لقلق مفرط. ولكن الفارق بيننا هو التعليم، الذي له دور في التوجيه والتهذيب وصقل المواهب وإدراك المهارات وتطويرها. لذا فإن اسواقنا لا تتوقف أنشطتها حتى في أحلك الظروف.


