فتسويق الجمال كان مفهوماً ضمن لعبة العرض والطلب، لكن تسويق الصحة هو الخط الأحمر الذي يهدد المعنى النبيل للمهنة الطبية نفسها. حين تتصدّر فاشنيستا المشهد لتسوّق منتجاً طبّياً أو غذائياً أو حتى نفسياً باسم التجربة الشخصية، فإنها لا تبيع مجرد سلعة، بل تبيع وهماً ممهوراً بالثقة الزائفة. والمتابع الذي يثق بمظهرها لا يدرك أنه يتلقى توصية غير مؤهلة قد تضرّه أكثر مما تنفعه.
تحت شعار «تجربتي الشخصية»، تختزل سنوات من الدراسة والبحث والعلم في مقطع مصوّر مدته ثلاثون ثانية، يقدّم فيه الدواء كإكسسوار، والحمية كموضة، والعافية كماركة جديدة.
ومع الوقت يغيب الطبيب الحقيقي، ويحلّ محله مؤثر يجيد الإضاءة أكثر مما يجيد الفهم؛ هكذا يسلب الطب من طهره، وتختزل الإنسانية في إعلان مدفوع الأجر.
والخطورة لا تتوقف عند حدود الخطأ الفردي، بل تمتد إلى وعي المجتمع نفسه.
فحين يصبح الشفاء مشروع تسويق، يتحول الإنسان إلى مستهلك لا مريض، وتفرغ القيم الإنسانية من معناها. لم تعد الرسالة هي إنقاذ حياة، بل زيادة مشاهدات، ولم يعد الهدف هو نشر الوعي، بل حصد العوائد.
إنّ الصحة مهنة نبيلة جوهرها الرحمة والعلم والمسؤولية، ولا يليق بها أن تُختزل في لقطات خاضعة لذوق الجمهور. فحين تُسلَّع المعاناة، ويُستخدم الألم في حملات الترويج، يكون الإنسان قد فقد كرامته مرتين: مرة حين مرض، ومرة حين جُعل مرضه وسيلة للربح.
خلاصة القول: الصحة ليست موضة إنها أمانة، وسعرها لا يقاس بعدد المتابعين، بل بضمير من يوجّه الكلمة. ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه قبل الإعجاب بأي منشور طبي مؤثر مفاده هل هذه نصيحة لإنقاذي، أم صفقة لترويجي؟
[email protected]



