ولو ظهرت فعلًا في ذلك الزمن؟ لقالوا عنها سحرًا من شدّة الذهول.
كان أجدادنا يحسون أن كل شيء له روح؛ النار تُهاب، والبحر يُحترم، والراديو نفسه قيل عنه إنه «جنّي في صندوق». وقد سجّل التاريخ مواقف مشابهة، منها ما نُقل عن بعض القرى في بدايات دخول التلفزيون، حين وصفه البعض بأنه «عينٌ ترى من وراء العالم».
تخيّل أن أحدهم في زمن الطيبين يرى شخصًا يمسك هاتفًا، يفتح تطبيق الخرائط، فيخبره الجهاز: انعطف بعد 300 متر. سيقتنع فورًا أن الهاتف يعرف الغيب. وربما يسألك باستغراب: «من علّم هذا الصندوق الطرق أفضل منّا؟!»
ولو سمعوا عن الذكاء الاصطناعي الذي يكتب، ويرسم، ويردّ... لقالوا بلا تردّد: «هذا ولد الجن، لا يأكل ولا يشرب ويعرف كل شيء!»
وليس الأمر عليهم وحدهم؛ حتى في القرن التاسع عشر، عندما اخترع «صامويل مورس» التلغراف، كتب أحدهم ساخرًا:
«إن كان البشر سيتواصلون بالأسلاك، فلا عجب أن نرى يومًا ما أفكارهم تنتقل بلا أجساد.» وقد صدق الرجل دون أن يعرف.
المفارقة أن الخوف من الجديد ليس صفة جيل بعينه، بل صفة بشرية. كل تقنية تبدأ غريبة، ثم تصبح مألوفة، ثم تتحوّل لشيء نقول عنه.كيف كنا نعيش قبله؟
تمامًا كما فعل أجدادنا الذين خافوا من التلفزيون ثم صاروا يجلسون أمامه كل ليلة.
والمضحك أننا نحن اليوم نضحك على خوفهم.. وسنرى من يضحك علينا بعد خمسين سنة عندما تظهر تقنيات سنصفها نحن بالسحر.
بين الأمس واليوم، لم يتغير شيء تقريبًا.. سوى شكل الصندوق الذي نخافه.
[email protected]



