تعرفتُ على صديقي عبدالله السبيعي.. أبو نواف في هذه المرحلة التي يسمّونها «منتصف العمر» لكنها في حقيقتها ليست منتصفاً لشيء، بل بداية لوعيٍ جديد. فالصداقة في الأربعين ليست كالصداقة في العشرين، والصداقة في الخمسين ليست كليهما. إنها صداقة تمرّ على مقاييس العمر المتقلبة، وتخرج أكثر صفاءً وقيمة، لأنها تأتي بعد أن يبرد الدم، وتنضج الرؤية، ويتقلّص المسرح من حولك.. ولا يبقى فيه إلا من يستحق.
في الخمسين، نتوقف عن مطاردة الضوضاء التي كنا نظنّها حياة، ونبدأ نبحث عن المعنى. نبحث عن حوار لا ينتصر فيه أحد، بل ينتصر فيه الصدق. نبحث عن شخص لا يحتاج لشرح طويل، ولا لتبرير، ولا لإقناع. شخص يفهمك حين تصمت أكثر مما يفهمك الآخرون حين تتكلم. هذا تحديداً ما وجدته مع أبو نواف، ليس صديقاً جاء ليملأ فراغاً، بل صديقٌ جاء ليضيف إلى الروح معنى جديداً..
الصداقة بعد الخمسين تشبه نخلة قديمة.. ثابتة، عميقة الجذور، لا تُسقطها رياح الحياة مهما اشتدت. ليست علاقة مؤقتة، ولا شراكة مصالح، ولا رفقة عابرة. هي رصيدٌ من الطمأنينة. سندٌ داخلي، لا يضجّ، لا يطالب، لا يحاسب. كل ما يفعله أنه يقف.. ووجوده وحده يكفي.
أبو نواف ليس مجرد صديق؛ هو من النوع الذي إذا جلس بجانبك، هبطت كل المعارك الداخلية فجأة، كأن حضوره يشبه ظل نخلة في قيظ أغسطس. رجل له من الوقار ما يشي بأن الزمن لم يمرّ عليه عبثاً، ومن الطيبة ما يجعلك تسأل: كيف للقلوب أن تبقى مشرقة رغم كل ما شاهدته؟ في حديثه حكمة بلا استعراض، وفي صمته صدق بلا نوايا. رجل إذا قال، أوجز؛ وإذا نصح، صدَق؛ وإذا ضحك، ضحكت معه الروح قبل الوجه.
في هذا العمر، لا نبحث عن الكثير. نبحث عن شخص يذكّرك أنك لم تخسر نفسك رغم كل ما خسرت. شخص يعيد ترتيب ضوضاءك بكلمة، ويعيد لك احترامك لنفسك بتصرف عابر. شخص يذكّرك أن الرجولة لا تحتاج إلى عضلات.. بل إلى مبادئ. وأن الكرم ليس صفة تُقال، بل فعلٌ يُعاش. وأن النُبل لا يُتعلّم، بل يُورَث من صلابة الأصل ونقاء الطوية.
وهذا ما يجعل صداقة أبو نواف حدثاً لا يمرّ مروراً عابراً.. بل يترك أثراً، أثر يشبه انشراح الصدر حين تجد أخاً لم تلده أمك، لكنه جاءك في الوقت الصحيح. ففي الخمسين لا تأتيك الصداقات على هيئة حشود.. بل تأتيكم كالهدايا: قليلة، ثمينة، وبالغة الندرة.
الصداقة بعد الخمسين ليست زينة اجتماعية، بل ضرورة إنسانية. هي الممرّ الذي نعبُر منه لنفهم أنفسنا أكثر، ولنتأكد أن العالم، مهما قسا، لا يزال يمنحنا فرصة لنلتقي بمن يشبهوننا. من يشاركوننا صمتنا قبل كلامنا، ووقفتنا قبل خطواتنا، وصدقنا قبل قصصنا.
أحياناً أظن أن أجمل ما في هذه المرحلة أن قلوبنا تتعلم كيف تميّز: تميّز بين من يراك رقماً، ومن يراك إنساناً. بين من يمرّ كعابر طريق، ومن يبقى كجذع نخلة تستند إليه. بين الوجوه التي تضيع في الزحام، والوجوه التي تُضاء بها حياتك. وأبو نواف من الوجوه التي لا تزاحم.. بل تضيء.
أدركت مع «أبو نواف» أن الصداقة بعد الخمسين ليست استعادة لشبابٍ مضى، بل تأسيس لطمأنينة جديدة. ليست مجرد أسماء تُضاف إلى هاتفك، بل أرواح تُضاف إلى روحك. ليست «علاقة».. بل أخوّة تكتمل متأخرة، لكنها تصل بعمق أكبر من كل ما سبق.



