ولم يكن مما ذكر من حكاية مجرد أسطورة واهية وخرافات، بل حدث له شخصيات وأبطال، فنحن أمام ثلاثة ورود لها من أمم مختلفة كلها جاءت تجلها وتسطرها لنيل العبر والحكمة منها ولأنها كانت غير عادية. كما أن للدلالة على أهميتها في سومر من بلاد بابل أن وردها في الألواح المسمارية جاءت متعددة وعلى فترات زمنية متباعدة، فلم تكن مجرد قصة وحكاية عابرة. وبالرغم من الاختلافات في الأسماء فيها والتفاصيل الدقيقة للأحداث ومن إدخال عنصر المبالغة في بعضها وعقائد تلك الفترة الزمنية، إلا أن ظلت هي نفسها تلك القصة والأسطورة المعروفة بقصة الطوفان التي حدثت في بلاد بابل، لتجد مستقر لشخصياتها في شرق الجزيرة العربية المعروفة اليوم بالمنطقة الشرقية والبحرين.
ومن أهمية حدث قصة الطوفان أن الكتابة ظهرت لأول مرة في بلاد سومر من أرض الرافدين قبل أكثر من 5000 عام، ولم تكن مجرّد وسيلة حساب وتسجيل. بل شكّلت ألواح الطين أساس أقدم مكتبات قديمة عرفتها البشرية ووسيلة للتبادل الثقافي بين شعوب تلك الفترة الزمنية. وقصة الطوفان وردت في عدد من الألواح المسمارية نذكر منها اكتشاف الباحثون نصّ «زيوسودرا» في مدينة «نقر» بالعراق والذي يعد أقدم ذكر القصة على الإطلاق ويعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد. ويتداخل فيه نص الطوفان في هذه الألواح مع قائمة الملوك السومريين، ذكر من خلالها أن الطوفان وقع في عهد ملك يُدعى «زيوسودرا» إلا أن من أهمها النص الذي يقول صراحة إن الناجي من الطوفان «سكن في أرض دلمون، حيث تشرق الشمس».
ومن الألواح السومرية ما اكتشف في مدينة نينوى أيضا من لوح «جلجامش» الذي يُعدّ من أهم الاكتشافات الأدبية من الكتابات القديمة. ويبدأ نصها كما وردت بقرار الآلهة المتعددة إهلاك البشر دون سبب واضح، سوى لأن البشر «أزعجوا» الآلهة بضجيجهم. وفي القصة أن الإله «إنكي» وهو أحدهم قرر أن يتدخل، فخاطب «زيوسودرا» عبر جدار من القصب ذاكرا ما نصة «يا رجل شوبور اهدم بيتك، وابنِ سفينة، اترك ممتلكاتك، وأنقذ حياتك، احمل معك بذور كل ذي حياة» ثم تكمل القصة بأن يغمر الماء الأرض لسبعة أيام وسبع ليالٍ. وبعد انقضاء العاصفة، يشقّ الضوء السماء، ويُفتح باب الشمس. ثم يخبر اللوح أن السفينة «استقرّت في دلمون»، وأن الآلهة منحت زيوسودرا الخلود هناك. كما يصف النص العاصفة الهوجاء بذكرة «الرياح سوداء، الشمس تختفي، والآلهة ترتعب ككلاب مذعورة. بعد سبعة أيام تهدأ المياه، وتستقر السفينة على جبل «نيسير».
روايات الألواح المسمارية السومرية متعددة وتمزج بين الحقيقة والخيال، إلا أنها بكثرتها وتباعد فتراتها وقدمها تؤكد بأن أرض دلمون هي تلك المنطقة التي استقر فيها المركب من حادثة الطوفان المذكورة في تلك الألواح. وهي أيضا كذلك التي نعرفها جغرافيا بيومنا الحاضر بأنها المنطقة الشرقية ومملكة البحرين، والمثل يقول لا دخان من غير نار، فأين يكون موضع رسو السفينة بالتحديد فالله أعلم، وأين موضوع تلك المملكات القديمة من ارض ديلمون مما ذكرته الألواح المسمارية هو أيضا ما ستبين وما سنعرفه مع الايام.



