في البداية، نتفق جميعاً بأن الوزارة تحرص في جميع قراراتها الخاصة بالتوطين على توفير فرص عمل محفزة ومنتجة ومستقرة للمواطنين والمواطنات في مختلف مناطق المملكة، ورفع مستوى مشاركتهم في سوق العمل، ومن خلال متابعتي لقرارات التوطين التي تم تطبيقها خلال السنوات الثلاث السابقة، يتضح التأثير الإيجابي لتلك القرارات حيث كان هناك ارتفاع واضح في أعداد المشتغلين السعوديين بالقطاع الخاص، خاصة في المهن المستهدفة لتلك القرارات، ووصلنا لمستويات قياسية تاريخياً.
في الوقت الذي نُشيد فيه بجهود منظومة الموارد البشرية المستمرة لتعزيز مشاركة المواطنين في سوق العمل، فإنه من المهم أن نناقش برؤية تحليلية استباقية أهمية تنويع استراتيجيات التوطين لتركز على القطاعات ذات القيمة المضافة الأعلى ومعدلات الاستدامة الأكبر، ولا يعني ذلك التقليل من جهود التوطين في أي قطاع، بل تأكيداً على مبدأ «استهداف الوظائف النوعية بدلاً من التكميلية».
مراكز الاسترخاء والعناية الشخصية تتميز بطابع موسمي ومتقلب في أغلب الأحيان، وبحكم قربي من هذا القطاع نجد أن معدلات دوران الوظائف فيه مرتفع جداً مقارنة بالقطاعات الأخرى، واستقرار هذه المراكز في السوق أقل من غيرها بشكل واضح، مما لا يحقق الاستقرار الوظيفي «طويل الأمد» الذي نستهدفه في قرارات التوطين النوعية.
لو كان بيدي من الأمر شيئاً، سأُركز في قرارات التوطين القادمة على استهداف القطاع الصناعي، والذي يعتبر من أكثر القطاعات احتضاناً لفرص تحقيق مستهدفات سوق العمل وفقاً لرؤية المملكة، وذلك من خلال وظائف نوعية بشكل مباشر وغير مباشر، حيث إن مكرر الوظائف في القطاع الصناعي بالمملكة يعتبر مميزاً مقارنة بالقطاعات الأخرى، والوظيفة المباشرة في هذا القطاع توجد ما بين 5 إلى 10 وظائف في قطاعات أخرى، وهذا القطاع يعتبر من أكثر القطاعات استفادةً من المحفزات الحكومية كالإعفاء من المقابل المالي لعدة سنوات.
فيما يخص تمديد فترة تحمل الدولة للمقابل المالي للعمالة الوافدة في القطاع الصناعي، فأنا أتفق مع تمديده بالإضافة لتطبيق قرارات توطين مستهدفة للمهن في هذا القطاع، والذي ما زالت فيه فرص عديدة لاستيعاب عدد أكبر من السعوديين، وكوجهة نظر شخصية أرى أن التأخر في عدم الاستفادة من الفرص النوعية في القطاع الصناعي ورفع معدلات التوطين فيه يعتبر «هدر» لفرص توطين مميزة، خاصة في استجابة طرفي سوق العمل «منشآت القطاع الخاص وَالعمالة» بشكل ايجابي لقرارات التوطين الأخيرة.
الفترة القادمة نتطلع فيها لقرارات توطين نوعية تستهدف قطاعات «الصناعة بشكل عام، التقنية، الرعاية الصحية، الطاقة المتجددة، التعدين، السياحة»، فمثل هذه القطاعات تحتضن وظائف بمستويات دخل أعلى من متوسط السوق، وتتميز بمعدلات استدامة أعلى من غيرها، وتتماشى مع تطورات القطاعات في رؤية المملكة الطموحة، اضافة أن لها دور كبير في بناء اقتصاد معرفي متنوع.
ختاماً؛ ما ذكرته لا يقلل من جهود الوزارة الواضحة في نجاح قرارات التوطين، والمقصد هو التركيز بشكل استراتيجي على قرارات توطين تستهدف بناء جيل من الكفاءات الوطنية المؤهلة للانطلاق في القطاعات الاقتصادية الواعدة، وذلك لتحقيق استدامة حقيقية لسوق العمل.
مستشار موارد بشرية
[email protected]



