وفي هذا الإطار، يقول المؤلفان جيك ناب وجون زيراتسكي - وهما من مهندسي الإنتاجية في شركة “غوغل” سابقًا - إن الخطأ الشائع ليس في سوء إدارة الوقت، بل في السماح لغيرنا بإدارته نيابةً عنا: إشعارات التطبيقات، متطلبات العمل الفوري، وثقافة «كن متاحًا دائمًا». إننا، كما يصفان، لا نفتقد الوقت بقدر ما نفتقد السيطرة عليه.
وقد أيدت ذلك دراسة نشرتها مجلة نيتشر هيومن بيهيفيور عام 2023، إذ وجدت أن الإنسان العادي يتعرّض لأكثر من سبعين مقاطعة يوميًا أثناء العمل، وأن كل مقاطعة تستنزف ثلاثًا وعشرين دقيقة لإعادة التركيز الكامل بعدها.
وانطلاقًا من هذه الحقيقة، يدعو الكاتبان إلى مفهوم جوهري سمّياه «اللحظة المضيئة»، ذلك النشاط أو الهدف الذي يستحق أن يكون مركز اليوم. ليس الهدف إنجاز المزيد، بل إنجاز ما يعنيك أنت. وفي هذا السياق، يمكن القول إن هذه الفكرة تتقاطع مع ما يسميه علماء النفس بحالة «التدفّق»، أي الحالة الذهنية التي يبلغ فيها الإنسان أقصى درجات التركيز والانغماس، كما وصفها العالم ميهالي شيكسنتميهالي في أبحاثه الشهيرة.
ومن زاوية أخرى، إذا كانت التكنولوجيا تُتَّهَم بخطف انتباهنا، فإن ناب وزيراتسكي يقدّمان مقاربة مختلفة: أعد برمجة أدواتك بدل الهروب منها.
فبدلًا من حذف التطبيقات، غيّر مكانها في الشاشة. بدل الردّ على البريد فورًا، خصّص له نافذة زمنية واحدة في اليوم. إنها ليست حربًا على التقنية، بل استعادةٌ لسيادة العقل على الإشعارات.
وفي هذا الصدد، تؤكد دراسة من كلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد أن الموظفين الذين اعتمدوا «نوافذ الانتباه المركّز» ارتفعت إنتاجيتهم بنسبة واحد وثلاثين في المئة خلال أسابيع قليلة، فقط لأنهم أعادوا جدولة انشغالهم بدل الاستسلام له.
وعلى ضوء ذلك، يتضح أن «صناعة الوقت» ليست مجرد انضباط شخصي، بل اختيار وجودي.
فالذي يوجّه انتباهه يوجّه مصيره. وحين يملأ يومه بما يضيف قيمة ومعنى، ينجو من ضيق السرعة إلى رحابة الوعي. والذين يتقنون صناعة وقتهم، فهم وحدهم الذين يتقنون صناعة حياتهم.
[email protected]



