ومع أن هذه التصنيفات تحولت إلى أداة تأثير قوية في تشكيل صورة الجامعة، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تعكس هذه التصنيفات حقيقة جودة التعليم والبحث العلمي؟ أم أنها مجرد وهم رقمي يخدع الجامعات والطلاب والمجتمع؟ وهل تعكس هذه التصنيفات حقيقة جودة الجامعة؟ أم أنها مجرد وهم رقمي يختزل مؤسسة معقدة في رقم واحد؟
وبالرجوع لتلك التصنيفات العالمية كتصنيف QS، وتصنيف شنغهاي وغيرها نلحظ اعتمادها على معايير تبدو للوهلة الأولى علمية ومحايدة، مثل عدد الأبحاث المنشورة، ونسب الاستشهادات، والسمعة الأكاديمية، ونسبة الطلاب إلى الأساتذة. لكنها في الواقع معايير منحازة، ذات توجهات محددة، وتخضع لأجندات نشر معينة تفضّل التخصصات العلمية والتقنية على حساب العلوم الإنسانية والاجتماعية، ولا شك أن هذا الميل يخلق تشوهاً هيكلياً في تقييم الجامعات، فالمؤسسات العلمية ذات الإنتاج البحثي الضخم تتصدر، بينما تتراجع الجامعات ذات التأثير الفكري العميق، لأن تأثيرها بطبيعته غير قابل للقياس بكثافة النشر.
وتكمن خطورة التصنيفات في كونها تفرض نموذجاً واحداً لما يجب أن تكون عليه الجامعة، وكأنها مصنع كبير لإنتاج الأبحاث. وهكذا تُختزل الجامعة في معادلة بسيطة: كلما زاد النشر ارتفع الترتيب. ولكن هذه النظرة تتجاهل أن الجامعة ليست خط إنتاج، بل مؤسسة مجتمعية معقدة: تُعلّم، وتبتكر، وتصنع الوعي، وتخدم المجتمع، وتخرج قادة المستقبل. وهل من المعقول اختزال ذلك كله في رقم؟ وارتفاع مستوى الأثر الأكاديمي مقابل الأثر المجتمعي. فالجامعات ذات الحضور التاريخي كجامعة السوربون، وأكسفورد، وهارفارد وغيرها تتمتع بقيمة ثقافية ومعرفية تمتد لأجيال. لكن التصنيفات لا تقيس: جودة التعليم في القاعات،
أو عمق النقاش الفكري، أو نوعية الخريجين وأدوارهم في المجتمع، أو إسهامات الجامعة في الثقافة والسياسة والقانون والتنمية، أو قدرتها على إلهام طلابها وإنتاج التغيير، مع أهمية تلك العناصر والتي تعد جوهر الجامعة، ولكنها عناصر غير قابلة للقياس بسهولة، ولذلك تُستبعد من التصنيفات، فتبدو جامعات عريقة في موقع أقل من قيمتها الحقيقية، بينما تتصدر جامعات حديثة ذات إنتاج بحثي ضخم مرتبط بمنشورات مدفوعة أو تعاونيات بحثية لا تعكس بالضرورة جودة التعليم.
وبهذا أصبح الوهم حقيقة إنتاج نموذج صناعي لجامعة إنسانية، والعمل على تسويق التصنيفات على أنها الحقيقة المطلقة، وإيجاد ما يشبه «الهالة الرقمية»، وبات المجتمع والطلاب والجامعات وحتى الإعلام يثقون في هذه الأرقام أكثر مما ينبغي، وكأن التصنيف شهادة نهائية على جودة الجامعة. فالتصنيفات ليست وهماً كاملاً، لكنها ليست حقيقة كاملة أيضاً. هي أدوات جزئية، تقيس جزءاً صغيراً من صورة واسعة. الخطر الحقيقي ليس في التصنيفات نفسها، بل في تحويلها إلى مركز الحقيقة. وعندما ننسى أن الجامعة مشروع حضاري قبل أن تكون مشروعاً رقمياً، يبدأ الوهم في السيطرة على التفكير الأكاديمي فتقييم الجامعة يجب يتناول جودة التدريس والأثر المجتمعي، والابتكار، وقوة الشراكات، والاستدامة، والثقافة البحثية الحقيقية، وملاءمة البرامج لاحتياجات المستقبل، ولكن معظم هذه الأبعاد غائبة تماماً عن التصنيفات الحالية. ويبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه صناع القرار التعليمي: هل نريد جامعات ذات ترتيب مرتفع؟ أم جامعات ذات تأثير حقيقي؟ الجواب قد يحدد مستقبل التعليم، بل مستقبل المجتمع كله ولنا في انسحاب جامعة السوربون من عدد من التصنيفات العالمية مع مكانتها العلمية والثقافية والاجتماعية عظة وعبرة.
[email protected]



