قبل ثلاثة عقود، كانت لندن تتباهى بمصرفها العريق بنك بارينغز، الذي خدم ملوك أوروبا لأكثر من مئتي عام. لم يكن أحد يتخيل أن هذا الصرح سينهار على يد شاب يدعى نيك ليسون، يعمل في غرفة تداول صغيرة بسنغافورة.، موظف طموح تجاوز صلاحياته، وأخفى خسائره في حسابٍ سري حتى تراكمت لتبتلع البنك بأكمله.
وفي زاوية بعيدة من العالم، في عام 1989، كانت ناقلة النفط «إكسون فالديز» تشق طريقها عبر جليد ألاسكا، قبل أن تصطدم بالصخور لتسكب أكثر من أربعين مليون لتر من النفط الخام في البحر. مشهد أسود، غطى الماء والحياة معًا. وبعد التحقيق، لم يكن السبب إعصارًا ولا خللًا تقنيًا، بل تقصير بشري بسيط: من قبطان متعب، وطاقم غير مدرّب، وإدارة أغمضت عينيها عن إجراءات السلامة. والنتيجة: كارثة بيئية هزّت العالم، لأن بعضهم لم يدرك أن إهماله للحظة واحدة قد يُلوّث الكوكب لعقود.
هاتان القصتان رغم بعد المسافة بين لندن وألاسكا تلتقيان في درسٍ واحد، ألا وهو أن مصير المؤسسة لا تحدده استراتيجياتها بقدر ما يصنعه وعي الفرد داخلها. فالمؤسسات لا تسقط بالأزمات، بل تسقط حين يضعف ضمير الموظف. والنجاح لا تصنعه القرارات الكبرى، بل بالأفعال الصغيرة التي تُمارس كل يوم بصدق أو بإهمال.
وفي هذا الإطار، تُؤكد الدراسات الحديثة أن المؤسسات التي تغرس ثقافة المسؤولية الفردية تُحقق أداءً أعلى واستقرارًا أطول.
وعلى نطاق آخر، وفي مشهد مختلف من وكالة «ناسا» في ستينيات القرن الماضي، حين زارها الرئيس الأميركي جون كينيدي وسال أحد عمال النظافة: ما الذي تفعله هنا؟ فأجابه الرجل بابتسامة واعتزاز: سيدي الرئيس، أنا أُسهم في جعل الإنسان يطأ سطح القمر، تلك العبارة البسيطة، التي خرجت من فم عامل عادي، تختصر فلسفة النجاح المؤسسي كله: أن القيمة ليست في المنصب، بل في الوعي بالرسالة.
ولعل مسك الختام أن نقول، أن المجد لا تصنعه المناصب، بل تصنعه النوايا الحسنة حين تتحول إلى أفعال ملموسة.
[email protected]



