التجارب احدى معايير النضج، فالتجارب تُجبرك على أن تنظر للحياة بعينٍ مختلفة، فعندما تبدأ الحكاية تلتزم بالتوقف عن تفسير كل شيء، وعن الركض خلف ما لا يريد أن يُدرك، وعن إقناع من لا يريد أن يفهم؛ عندها فقط، تدرك أنك لم تعد تبحث عن الانتصار، بل عن السلام.
النضج لا يعني أن تفوز في كل معركة، بل أن تعرف أي معركة تستحق أن تخوضها، وأنك حين تختار الصمت، فأنت لا تتراجع، بل تحمي طاقتك من الهدر.
هل هو من العمر؟ أم من «مردغة» الحياة لك! هل هو عندما تعي بأنك لا تحتاج أن تشرح كل شيء، وألا تثبت نفسك في كل معركة، وألا تبرر قراراتك لكل من يراك من زاويته؛ هو أن تفهم أن الصمت إجابة راقية أحياناً، وأن تجاهل ما يُتعبك ليس ضعفاً، بل حفاظاً على ما تبقى من هدوئك الداخلي؛ رغم «الحركشة» التي تأتيك بين فينة وأخرى من هدوءك!
الحياة ليست قائمة درجات من الفوز والخسارة، بل فسحة للتجربة والتطور، ولست ملزماً بأن تكون مثالياً أو على حق دائماً، فبعض الأخطاء التي نلوم أنفسنا عليها كانت دروساً لا يمكن أن نتعلمها بغير ألم؛ وهي التي صنعت منّا شخصاً نفخر به.
الوصول إلى نصف النضج هو أن تتقبل اختلاف الآخرين دون حاجة لتغييرهم، وأن تُدرك أن النية الطيبة لا تعني بالضرورة أن يُقابلها الجميع بحسن ظن؛ وهو كذلك أن تسامح دون أن تعيد فتح الباب، وأن تنسحب من الجدال وأنت أكثر ثقة بنفسك لا أكثر خوفاً منهم.
في بيئة العمل، نصف النضج هو أن تعرف متى تصمت عن النقاشات التي لا تضيف، ومتى تبادر بالحل بدلاً من انتظار الاعتراف بالجهد؛ أن تعمل بضمير دون أن تنتظر التصفيق، لأنك تفعل الصواب لأجلك لا لأجلهم؛ ولما لا تصفق أنت لنفسك، فهل أنت قليل! فتلك اليدين وذلك العقل، ومقدار الجهد يستحق أن تشكرهم أنت لا غيرك.
[email protected]



