بداية لنتعرف على المفهوم العلمي لهذا المصطلح ، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن الصحة النفسية هي حالة من الرفاه النفسية تمكّن الشخص من مواجهة ضغوط الحياة، وتحقيق إمكاناته، والتعلّم والعمل بشكل جيد، والمساهمة في مجتمعه المحلي. وهي جزء لا يتجزأ من الصحة والرفاه اللذين يدعمان قدراتنا الفردية والجماعية على اتخاذ القرارات وإقامة العلاقات وتشكيل العالم الذي نعيش فيه. والصحة النفسية هي حق أساسي من حقوق الإنسان. وهي حاسمة الأهمية للتنمية الشخصية والمجتمعية والاجتماعية الاقتصادية.
كما أن الصحة النفسية لا تقتصر على غياب الاضطرابات النفسية. فهي جزء من سلسلة متصلة معقدة، تختلف من شخص إلى آخر، وتتسم بدرجات متفاوتة من الصعوبة والضيق، وبحصائل اجتماعية وسريرية يُحتمل أن تكون مختلفة للغاية.
وتشمل اعتلالات الصحة النفسية الاضطرابات النفسية وحالات الإعاقة النفسية الاجتماعية، فضلاً عن الحالات النفسية الأخرى المرتبطة بالضيق الشديد أو ضعف الأداء أو خطر إيذاء النفس. ومن المرجح أن يعاني الأشخاص المصابون باعتلالات الصحة النفسية من تدنّي مستويات الراحة النفسية، ولكن لا يحدث هذا دائماً أو بالضرورة.
ولكن دعوني هنا أقف عند علاقة الصحة النفسية بأسلوب حياة الفرد، ففي ظل وتيرة الحياة المتسارعة وضغوط العمل والدراسة والمسؤوليات اليومية، أصبح الاهتمام بالصحة النفسية ضرورة أساسية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، الصحة النفسية تؤثر بشكل مباشر على جودة الحياة، وتساهم في التفكير السليم، واتخاذ القرارات الصحيحة، وبناء علاقات متوازنة مع الآخرين، كما تقلل من احتمالية الإصابة بالقلق والاكتئاب وتزيد من قدرة الفرد على مواجهة صعوبات الحياة بثبات وهدوء.
تشير الإحصاءات إلى أن نسبة كبيرة من الأفراد، وخاصة الشباب، يعانون من اضطرابات نفسية بدرجات متفاوتة، مما يعكس حجم التحديات التي تواجه المجتمع ويؤكد الحاجة لتعزيز ثقافة الوقاية والعلاج النفسي، ومن أبرز الوسائل للحفاظ على الصحة النفسية: ممارسة الرياضة بانتظام، الحصول على قسط كافٍ من النوم، اتباع نظام غذائي صحي، تخصيص وقت للترفيه، والاعتماد على الدعم الاجتماعي والأسري، بالإضافة إلى الاستفادة من المساعدة المتخصصة عند الحاجة.
لقد قامت المملكة العربية السعودية، بخطوات مهمة في هذا المجال عبر برامج ومبادرات وطنية وتطبيقات رقمية تهدف إلى تقديم الدعم النفسي وتعزيز الوعي المجتمعي، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر صحة وإنتاجية، كما أن كسر الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالاضطرابات النفسية وفتح المجال للنقاش عنها بشكل طبيعي يعدان من العوامل الأساسية لتحقيق التغيير الإيجابي.
في النهاية، الاهتمام بالصحة النفسية يشكل استثمارًا حقيقيًا في المستقبل، إذ إن الأفراد الأصحاء نفسيًا يتمتعون بقدرة أكبر على مواجهة التحديات والمساهمة الفاعلة في تطوير مجتمعهم وتحقيق التقدم والازدهار.
[email protected]



