والبعض الآخر يقيد نفسه بتخصص معين، ولا يوسع اطلاعه ودائرة معارفه، ومع أن التخصص مهم جداً، والتوسع فيه مهم، إلا أنه لابد للإنسان من سعة اطلاع تدعم تخصصه وتكون عوناً له في اتصاله.
وقد ضرب سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم مثالاُ عظيماً في التواصل الراقي وسعة الاطلاع، فإنه لما رجع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الطائف بعد أن واجه ما واجه، والتجأ إلى بستان عتبة وشيبة ابني ربيعة، رآه ابنا ربيعة فتحركت له رحمهما، فناديا غلاماً لهما نصرانياً يقال له: عَدَّاس، وقالا له: خذ قطفاً من هذا العنب، واذهب به إلى هذا الرجل. فلما وضعه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مد يده إليه قائلاً: «باسم الله» ثم أكل.
فقال عداس: إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أي البلاد أنت؟ وما دينك؟
قال: أنا نصراني من أهل نِينَوَى.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من قرية الرجل الصالح يونس بن مَتَّى؟» قال له: وما يدريك ما يونس ابن متى؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاك أخي، كان نبيًا وأنا نبي»، فأكب عداس على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويديه ورجليه يقبلها.
فقال ابنا ربيعة أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاء عداس قالا له: ويحك ما هذا؟ قال: يا سيدى، ما في الأرض شيء خير من هذا الرجل، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي، قالا له: ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه.
هذه المحادثة العظيمة بين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعدّاس والمجللة بكل جميل، من حب واحترام وتواضع وتقدير وسعة اطلاع كانت خيراً لهذا الغلام في حاضره ومستقبله، وخيراً لصاحبي البستان لو كانا يملكان التوفيق.
لتكن معارفك جسوراً تعبر بك إلى كل جميل لا جدراناً تحجبك عن كل جميل.
[email protected]



