ويمكن إبراز معالم الدور السلبي الذي تلعبه الثقافة الفرعية في تشكيل السلوكيات المنحرفة فيما يلي: أولًا: تعزيز القيم السلبية، يمكن للثقافة الفرعية عند فئة معينة من الناس أن تسهم في تعزيز بعض القيم السلبية بإبرازها في هيئة مقبولة وطبيعية في حال توفر بعض المبررات الداعية إلى ذلك بحسب قناعاتهم، فعلى سبيل المثال قد يكون الضغط النفسي أو الاجتماعي مبررًا للإقبال على المخدرات كوسيلة مشروعة للتخفيف من هذا الضغط.
ثانيًا: تشكيل الهوية الاجتماعية، تسهم الثقافة الفرعية في تشكيل هوية الفرد، وانتمائه إلى منظومة اجتماعية معينة، ويُعتبر السلوك الانحرافي جزءًا من هذه الهوية في بعض الأحيان، فمثلاً قد ينظر الشباب في بعض المجتمعات إلى الانضمام لجماعة معينة على أنه جزء لا يتجزأ من هويتهم الاجتماعية والثقافية.
ثالثًا: تقليل الرقابة الاجتماعية، قد تُقلل الثقافة الفرعية من مستوى الرقابة الاجتماعية وتقليل العواقب السلبية المرتبطة بالسلوك الانحرافي ففي بيئة ثقافية معينة، قد يُعتبر السلوك الانحرافي جزءًا من التكوين الاجتماعي للفرد دون مواجهة عواقب قانونية أو اجتماعية، ورابعًا وأخيرًا: تعزيز التفاعلات الاجتماعية السلبية: يمكن للثقافة الفرعية أن تُشجع على التفاعلات الاجتماعية السلبية، مثل التمييز والتنمر، مما يدفع الأفراد إلى اللجوء إلى السلوكيات الانحرافية كوسيلة للتعبير عن القوة أو التميز في المجتمع.
وإن فهم هذه الآليات يُعتبر خطوة أساسية في تطوير استراتيجيات فعالة لمكافحة السلوكيات الانحرافية وتعزيز القيم الإيجابية في المجتمعات وتعدّ الثقافة الفرعية أو "الثقافة الجزئية" من العوامل المؤثرة بشكل كبير في توجيه سلوك الأفراد وتشكيله ففي كل مجتمع، تنبثق ثقافة فرعية خاصة بها تنعكس فيها قيم ومعتقدات وتوقعات اجتماعية خاصة بأفراد المجتمع ومن خلال هذه الثقافة الفرعية، يتشكل السلوك الانحرافي ويُعزّز بفعل القيم السلبية أو المعتقدات الخاطئة التي تروّج لها في هذه الثقافة.
وتسلط الدراسات الاجتماعية مزيدًا من الضوء على دور الثقافة الفرعية في تعزيز الأفعال الانحرافية، باعتبارها ثقافة خاصة بجماعة محددة تميل إلى الانحراف أو الجريمة، وتتبنى مجموعة من القيم والمعتقدات ذات العلاقة بالسلوك المنحرف، وهي قيم لا تمثل المجتمع الأكبر الذي يعيشون فيه، وقد يكتب لهذه القيم والمعتقدات الشاذة البقاء والاستمرارية من خلال انتقالها من جيل لآخر عبر عمليات التنشئة الاجتماعية ودوافع الانتماء لهذه المجموعات البشرية المحددة.
وفي حقل علم الاجتماع ونظرياته التي تعالج كثيرًا من الظواهر الاجتماعية يمكن لنا بسهولة أن نتلمس دوافع الثقافة الفرعية في الترسيخ للسلوك الانحرافي من خلال محاولة التركيز على مصطلح "الضمير الجمعي" أو "الوعي الجماعي" الذي ابتكره عالم الاجتماع الفرنسي "دور كايم"، وهو مصطلح يشير إلى مجموعة القناعات والقيم والمعايير الأخلاقية التي اتفق عليها المجتمع، وهو مصطلح يرفع من قيمة المجتمع وتماسكه على حساب الفرد ومصلحته الشخصية.
وبمرور الوقت، ومع بدايات ظهور الثورة الصناعية التي غيرت بناء المجتمع على نحو ملموس، وانحسر معها التأثير القوي للضمير الجمعي على الفرد، نمت النزعة الفردية، وازدادت احتمالية تبني مجموعة من الأفراد داخل المجتمع لمجموعة من المبادئ والقيم والأنماط السلوكية التي تختلف عن الثقافة السائدة في الضمير الجمعي أو الوعي الاجتماعي.
وتوضح الدراسات أن السلوكيات الانحرافية غالبًا ما تنشأ في سياق الثقافة الفرعية التي تُعزّز مثل هذه السلوكيات وتبرّرها بشكل ما لذلك، يجب توجيه الجهود نحو فهم وتحليل هذه الثقافات الفرعية وتغييرها نحو تعزيز القيم الإيجابية والتوجهات الصحية داخلها.
[email protected]



