يشهد العالم اليوم تحولًا كبيرًا في أدوار القطاع غير الربحي، حيث لم يعد محصورًا في تقديم المساعدات أو الأعمال الخيرية فحسب، بل أصبح شريكًا استراتيجيًا في التنمية المستدامة. ويُعد ركيزة أساسية في تنمية المجتمعات وتحقيق الأهداف الإنسانية والاجتماعية، فهو يُعنى بخدمة الإنسان وتنمية قدراته وتوظيف طاقاته من خلال برامجه المختلفة ومشاريعه المتعددة، وتخصصاته الملبية لاحتياجات فئات المجتمع العمرية والتعليمية والتأهيلية برؤية تكاملية مع القطاعات الحكومية والخاصة لصناعة الأثر وتعظيمه واستدامته، وخصوصاً تحقيق العدالة الاجتماعية عبر دعم الفئات المحتاجة، وتقديم الخدمات المجتمعية، وبناء رأس مال اجتماعي: من خلال تعزيز روح التطوع والمشاركة المجتمعية، وإيجاد فرص وظيفية من خلال المؤسسات والجمعيات والمبادرات غير الربحية التي تولد وظائف جديدة.
ومنذ انطلاق الرؤية الوطنية 2030م والدولة -أيدها الله تعالى- تبنت منهجًا شاملًا لتفعيل القطاع غير الربحي، وجعلته أحد ركائز التحول الوطني لتعزيز مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي من أقل من 1% إلى 5%، وتمكينه من الوصول إلى الاستدامة المالية عبر تطوير الأنظمة وتسهيل إجراءات التأسيس والتمويل، وتعزيز ثقافة التطوع برفع عدد المتطوعين إلى مليون متطوع سنويًا، وتحفيز الشفافية والحوكمة من خلال التشريعات والمساءلة، ودعم المنظمات الأهلية وتمكينها من التوسع الجغرافي والبرامجي، كما أُطلقت العديد من المبادرات لتحقيق هذه الأهداف مثل: "المنصة الوطنية للتبرعات (تبرع)"، و"المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي"، ومبادرات "تمكين الجمعيات الأهلية"، وغيرها، ومبادرة الإسناد الحكومي، وشركات الاستثمار الاجتماعي والمحافظ الاستثمارية والوقفية بهدف تنويع مصادر الدخل، والإسهام في تنفيذ المشاريع التنموية الكبرى، وتحقيق تنمية اقتصادية ومجتمعية متوازنة.
ومع تزايد التحديات وتوسع الدور الذي يؤديه هذا القطاع، يبرز تساؤل مهم وخصوصاً في ظل هذا التمكين والدعم السخي هل القطاع غير الربحي بحاجة للكفاءة المالية بصورة أكبر أم إلى الكفاءة البشرية التشغيلية؟ ومن خلال دراسة مسحية لعدد من الجمعيات الأهلية يتبين أن الكفاءة المالية تمثل حجر الأساس للاستدامة، والتي تمثل درجة نضج الجمعية وقدرتها على إدارة الموارد المالية بفعالية، بما يشمل التخطيط المالي، وتنمية الموارد، ومراقبة الإنفاق، وضمان الشفافية والمساءلة؛ بهدف ضمان الاستمرارية في تقديم الخدمة للمستفيد، وتعزيز السمعة المؤسسية والمالية لها فالمانحون والصناديق الحكومية وإدارات المسؤولية الاجتماعية في القطاع الخاص لن يستمروا في تمويل منظمة تُسيء استخدام الأموال أو تفتقر إلى الشفافية، ولكي تتمكن الجمعية من تحقيق الأثر بطريقة استراتيجية يضاعف الأثر المجتمعي عبر توجيه الأموال بطريقة احترافية.
ولكن في غياب الكفاءة البشرية، قد تبقى الموارد المالية دون استثمار فعّال، فالمال وحده لا يُحدث فرقًا ما لم يقترن بعقول وقلوب قادرة على تحويله إلى نتائج. فالكفاءة البشرية المؤهلة تعد القلب النابض للعمل غير الربحي بما تملكه من قدرات ومهارات وخبرات نوعية تتعلق بالقيادة، وإدارة المشاريع، والتطوع، والعلاقات المجتمعية، والابتكار، والقدرة على التأثير، فالموظفين المؤهلين يُطوّرون حلولًا مستدامة ومبادرات مؤثرة، ويعززون الإبداع والابتكار، ويبنون علاقات الثقة والتأثير المجتمعي إذ لا يمكن لأي مؤسسة غير ربحية النجاح دون أن تكون قريبة من المجتمع وتفهم احتياجاته.
ولذا فالتوازن هو المفتاح في الحقيقة، إذ لا يمكن المفاضلة بين الكفاءة المالية والبشرية على نحوٍ قاطع، فكلاهما ركيزتان متكاملتان. المال بدون بشر أكفاء قد يُهدر، والبشر بدون موارد مالية قد يُحبَطون وتتضاءل قدرتهم على العمل. ولذلك، فإن الحاجة الماسّة للقطاع غير الربحي اليوم تكمن في تحقيق التوازن بين الكفاءة المالية والبشرية، من خلال الاستثمار في بناء القدرات البشرية بالتدريب والتحفيز والتمكين، وبناء نظم مالية شفافة وفعّالة تحافظ على الموارد وتنمّيها، وتعزيز ثقافة الأداء والنتائج داخل المؤسسات غير الربحية. ونجاح القطاع غير الربحي لا يرتكز على أحد العنصرين دون الآخر، بل على انسجام الكفاءة المالية مع الكفاءة البشرية، لتحقيق أعلى درجات الأثر والاستدامة. فكلاهما وجهان لعملة واحدة تُسمى "النجاح المؤثر".
جامعة الملك خالد.


