فكروا للحظة: لولا الإعلام، هل كنا سنرى مشاهد توسعة الحرمين الشريفين ومراحلها بتلك التفاصيل الدقيقة؟ هل كنا سنشعر بتلك الرهبة التي تملأ القلوب يوم عرفة حين تهطل الدموع وتُرفع الأكفّ بالدعاء؟ لقد ساهمت الكاميرا في نقل هذه اللحظات إلى كل بيت، وجعلت مشاعر الحجاج تُلامس قلب كل مسلم في العالم.
ولا تزال ذاكرتي تحتفظ بمشاهد محفورة في الوجدان. فيلم “الرسالة”، الذي يُعرض كل عام مع بداية السنة الهجرية، قدّم قصة هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- برؤية بصرية جعلت الحدث التاريخي ينبض بالحياة في كل مرة يُعرض فيها. هل كانت هذه القصة لتصل بهذا العمق لولا الإعلام المرئي؟
وفي لحظات البهجة والراحة، لا ننسى مسرحيات مثل “العيال كبرت” و“المتزوجون” وغيرها، التي أدخلت البسمة إلى بيوتنا جيلاً بعد جيل. تلك الأعمال لم تكن مجرد ترفيه، بل جزء من الذاكرة الثقافية التي شاركناها، ونقلناها لأولادنا. وما كانت لتبقى حيّة لولا أن تم توثيقها بالصوت والصورة.
أما في المشهد السعودي، فلا يمكن الحديث عن الإعلام دون ذكر "طاش ما طاش". ذلك العمل الرمضاني الذي لم يكتفِ بالضحك، بل فتح ملفات وقضايا، وسلّط الضوء على الفساد، والاحتيال، وسلوكيات اجتماعية خاطئة، بأسلوب ساخر ذكي. كانت حلقاته مادة للنقاش في البيوت، وأداة توعية بقدر ما كانت ترفيهًا.
فعلاً الإعلام المرئي ليس رفاهية.. بل توثيق وهوية.. هو الأرشيف الذي يحفظ ذاكرتنا، والمرآة التي ننظر بها إلى ماضينا، واللغة التي نفهم بها حاضرنا. وهو الجسر الذي يصل صوتنا إلى العالم دون وسيط.
في زمن الصورة، الكاميرا لا تكذب، بل تشهد.
وكل عام والتلفزيون السعودي والإعلام الوطني بخير، وذاكرتنا بألف خير.



