من السهل أن تشعر أنك مميز حين تكون الأول على فصلك، أو الفائز في مسابقة محلية، أو حين تتلقى تصفيقًا حارًا من جمهور صغير. لكن الحقيقة التي نهرب منها في لحظة النشوة هي أن هذا “التميز” محدود، نسبي، وربما زائل.
لو كنت الأول على فصل دراسي في مدرسة تضم 100 فصل، فهذا يعني أن هناك 99 طالبًا آخر حصلوا على ذات اللقب في فصولهم. وإن كنت الأول على مدرستك، ففي مدينتك مئات المدارس الأخرى، ولكل منها “أول”. بل إن كنت الأول على مدينة كاملة، ففي كل دولة آلاف المدن.. وفي كل قارة ملايين الناس.. وعلى كوكبنا هذا أكثر من 7 مليارات إنسان.
كم من هؤلاء يُتقن ما تتقنه؟ كم منهم يتفوّق عليك في مهارة، أو يملك نفس طموحك، وربما أسرع خطى منك في الوصول؟
حين تُقدَّم في مؤتمر وتُعرّف بأنك «أفضل مدرب في مجالك»، ربما لا تعلم أن في القاعة نفسها هناك من لم يُمنح لقبًا لكنه يمتلك خبرة تفوقك بعشرين عامًا. حين تُسلَّط عليك الأضواء لأنك كتبت كتابًا أو أطلقت مشروعًا، هناك من يعمل بصمت منذ سنوات، دون ضجيج، دون تغطية إعلامية، لكنه يُغيّر حياة العشرات من حوله.
حتى حين يتحدث الناس عنك بإعجاب، لا تنسَ أن الإعجاب مؤقت، وأن الذاكرة الجماعية قصيرة، وأن ما تفعله غدًا أهم بكثير مما فعلته بالأمس.
هل يعني ذلك أنك بلا قيمة؟
قطعًا لا.
لكنها الحقيقة التي تحررك من وهم أنك «فوق الجميع»، وتدفعك لفهم التميز على نحو أكثر واقعية وإنسانية.
التميّز ليس أن تكون الوحيد، بل أن تكون مؤثرًا. أن تبذل جهدك لا لأنك تسعى للقب، بل لأنك تحترم نفسك وعملك. أن تنهض بعد كل تعثر، لا لأنك تسعى لإعجاب الآخرين، بل لأنك مدفوع بقيمة داخلية لا تتغيّر بتصفيق الجمهور.
أنت لست مميزًا لأنك تفوقت في مرحلة ما، أو لأن أحدهم قال لك “لم أرَ أحدًا مثلك”. فمع الوقت، ستقابل كثيرين يشبهونك.. وربما يتفوقون عليك.
الحكمة ليست في إنكار هذا الواقع، بل في التواضع معه، في أن تدرك أنك واحد من ملايين، لكنك قادر أن تكون شيئًا فريدًا في محيطك، لا لأنك الأعلى، بل لأنك الأصدق، الأثبت، الأعمق أثرًا.
أنت لست مميزًا.. بمعايير المنافسة السطحية، ولا بالترتيب في سباق مؤقت. لكنك قد تكون مميزًا حقًا، إن اخترت أن تصنع فرقًا، وتترك أثرًا حقيقيًا، وتبني تميزك بالفعل، لا بالوهم.
فالعالم لا يحتفي بمن يظن نفسه نجمًا وحيدًا، بل بمن يضيء في صمت، وسط سماء مزدحمة.
[email protected]



