في خضم زحام الحياة وتدافع الأيام وفق ايقاعها الحديث الذي يزخم بالمواعيد والالتزامات ناهيك عن فضاء التواصل الشاسع الذي يتوفر مع وسائل التقنية الحديثة ويكون على مدار الساعة دون توقف او انقطاع، في خضم هذا كله قد يؤول بنا المآل بأن ننسى أنفسنا ونغفل عن ملامحنا التي تتبدل في صمت، وكذلك ان نُفْرِغ أوقاتنا للآخرين؛ للعمل، والواجبات، والمجاملات، وحتى القلق، دون أن نمنح لأنفسنا نصيبًا من الوقت والاهتمام. فتتساءل أرواحنا متعجبة: «أين اختفى الوقت»؟
لكن الحقيقة المؤلمة التي يغفل عن تداركاها الكثيرون هي أن الوقت لم يختلف ولم يختفِ، بل نحن المسؤولون عن ضيق المساحة التي يوفرها اذ نحن من أضعناه شيئًا فشيئًا، دون وعي منا او ادراك لحجم المشكلة التي نخلقها لذاتنا والألم الذي يبنى عليها، فها نحن نمنح الوقت بسخاء لكل ما يشغلنا عن ذاتنا، بل وتجدنا نُلهي به أنفسنا عن مواجهة الحقيقة، وننسى أننا وحدنا من نقرر لمن نوظف أعمارنا.
الحياة مليئة بما سيجعلنا نسخر له الكثير من وقتنا وجل تركيزنا وجهدناـ، ولكن وفي خضم تلك الانشغالات والتراكمات وما يبنى عليها من مساحات مهدرة من أوقاتنا، نؤجل أحلامنا، ونلغي لقاءاتنا مع ذواتنا، ونعامل الراحة وكأنها ترفٌ لا نستحقه، حتى ينتهي بنا المطاف خاليين من كل شيء.
وهنا لنا وقفة مع الزمن واصابع الاتهام التي لا يفترض ان توجه إليه، فالزمن ليس سارقًا، ولا الحياة ظالمة كما نعتقد، وإنما نحن من نختار أن نحيا على هامش أيامنا، ونبرر ذلك بالانشغال المستمر، ثم نندهش حين نجد أننا عشنا أكثر من أجل الآخرين، وأقل في سبيل لأنفسنا.. وقد يكون هذا الادراك بعد فوات الأوان .
وهنا يتبدى السؤال الجوهري:
أين نضع أنفسنا في هذه المعادلة؟ هل نحتل مركز القلب في يومنا، أم ننتظر دورنا في آخر القائمة؟ هل نُعطي لأنفسنا الأولوية، أم نؤجلها بلا نهاية؟
الإجابة تكمن في إعادة ترتيب الأولويات، ووقف هذا النزيف الذي يمتص أوقاتنا من غير عائد يُذكر. علينا أن نُهدي أنفسنا نفس القدر من الوقت والاهتمام الذي نُخصصه للآخرين، وأن نكون أكثر حضورًا في داخلنا، لا مجرد أشخاص يجرون خلف الحياة بأجساد خاوية، تبتسم وتمضي بينما الروح تكابد خنقًا في صمت.
فالوقت لا يُسرق منّا، بل نحن من نمنحه لمن لا يستحق، أو نضيع فيه بعيدًا عن ذواتنا. والذات لا تضيع وسط الزحام إلا إذا قررنا نحن ذلك بالتجاهل والصمت.
فكر الآن: متى كانت آخر مرة منحت فيها نفسك حقها دون شعور بالذنب؟ ومتى ستعود إليها حقًا، لتجعلها في قلب يومك لا في نهايته؟



