والحقيقة أني لا أريد أن يتحول المقال إلى خطبة وعظية أو نصائح من قلب بارد! ولكنها خواطر تجول في جوفي مع اقتراب وداعنا للعام الهجري.
وإني لأرجو أن تعلق خاطرة أو كلمة في ذهن القارئ الكريم، فيبقى لها أثر طويل في نفسه. فقد قيل: رب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.
والمتأمل للأحداث والمواقف التي مرت علينا خلال السنة المنصرمة، يراها كشريط سينمائي تمر سريعا أمام عينيه. وقد جاء في الأثر عن نوح عليه السلام الذي لبث في قومه «950» سنة، أن ملك الموت سأله: يا أطول الأنبياء عمرا، كيف وجدت الدنيا؟ فأجاب: كدار لها بابان، دخلت من أحدهما، وخرجت من الآخر!
وأسمحوا لي أن استشهد بأبيات للشاعر الكبير أحمد شوقي في وصفه لسرعة انقضاء الأيام، حيث قال: دقّات قلب المَرء قائلةٌ له، إن الحياة دقائق وثواني، فارفَع لنفسك بعد موتك ذكرَها، فَالذكر للإنسان عُمر ثاني. وبيت أمير الشعراء هذا يذكرني ببعض الشخصيات التي لم تعمّر طويلا، ولكنها تركت إثرا لا يُمحى في ذاكرة التاريخ. فالأمام النووي مثلا مات عن عمر «45» سنة، ولو لم يؤلف إلا كتاب «رياض الصالحين» لكفاه! والخليفة عمر بن عبد العزيز مات عن عمر «44» وقد ملأ الدنيا عدلا في عامين فقط، وهي مدة خلافته. وابن المقفع مات عن عمر يناهز «36»، وترك خلفه كتابي «الأدب الكبير» و«الأدب الصغير». وتوفي طرفة بن العبد صاحب المعلقة الشعرية المشهورة، وهو في سن «26»، والشاعر أبو تمام مات وعمره أربعون، وهو ما يسمى بسن الأشد. والصاحب الجليل سعد بن معاذ -رضي الله عنه- الذي اهتز عرش الرحمن لموته، مات عن عمر «37» سنة. فالحياة ليست بالطول ولا بالعرض، ولا بالمدة التي نعشيها، ولكن بالأثر الذي نتركه من خلفنا.
وخاطرة أخرى أظنها لا تقل أهمية عما ذكرت، وهي أن العام الذي مضى لا يخلو من المنغصات والأكدار، وقد يشبوه شيء من الأحزان والفقد، وتلك من السنن الحياة التي لا مفر منها، ولكن مما يخفف عنا ويسلينا، أنه قد جاء في الحديث النبوي الذي حسنه الألباني: «قال جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به. ثم قال: يا محمد: شرف المؤمن قيام الليل، وعزّه استغناؤه عن الناس».
ولعله من المناسب أيضا أن نتذكر من وقت إلى آخر وخصوصا مع نهاية كل سنة وبداية أخرى، ألا ننشغل بالأحداث الجانبية عن المهمة الرئيسية لنا. وفي هذا الشأن يُنسب إلى غازي القصيبي -رحمه الله- أنه قال: ستُدرك في وقت متأخر من الحياة، أن مُعظم المعارك التي خضتها لم تكن سوى أحداث هامشية أشغلتك عن حياتك الحقيقية.
وأخيرا، فأني أتوقُ حين نغلق باب هذا العام، أن تكون السنة الهجرية القادمة أنفع، وأعظم أثرا.
[email protected]


