- مدرجات حجرية على سفوح الجبال شيدتها أجيال مضت. جعلوها أوعية لحفظ المدر النادر، بجانب صيد مياه الأمطار وتجميعه وخزنه. جعلوها لزراعة الحبوب. جعلوها حدائق معلقة، شاهدة على همة، وبأس، وقوة فكر لأهل استوعبوا وظيفة أرضهم. جعلوها مباركة مستدامة العطاء. نحتوا الجبال منفعة مستدامة.
- وحتى يحصدون بخار الماء في السحاب العابر، اهتموا بالغطاء النباتي. جعلوه يتوازى مع اهتمام مكونات بيئتهم الأخرى. وظفوا مبدأ التوازن وتبادل المنفعة حتى مع شركاء الحياة.
- جعلوا للغابات نظم بأهمية مستدامة. جعلوها تقاليد علمية وأنظمة تعايش، وقوانين توضح العلاقة، وسبل الانتفاع دون جور. هذا سهل أن تتوارثها الأجيال بإتقان، كمنهج حياة.
- أسس أجدادنا في هذه المناطق، علم إدارة الغابات. جعلوا لأشجارها مكانة وهيبة. جعلوا لبعضها مكانة، وسيادة، وأهمية على بقية الأشجار. سنوا قوانين التنمية، والحماية الصارمة. جعلوا للغابات مهارات تعتني، وتخدم، وتستثمر. عملوا لتنميتها بشكل مستدام جيلا بعد آخر. جعلوها مصدر الطاقة التي لا تنضب. جعلوها مصدر الخشب الذي يحتاجونه في بناء بيوتهم دون ضرر وإضرار.
- جعلوا للغابات مواسم علمية للعناية. حددوا عمر ومواصفات الأشجار التي بلغت نضج الاستفادة. عملوا على تشذيب أشجار الغابات في مواسم علمية التوقيت. أهتموا بالغصن الأخضر وتنشئته. أعلنوا العقوبات لكل من يتجاوز ويعتدي عليه. قطعه جريمة بيئية لها عقاب صارم ورادع.
- في هذه الجبال المطيرة حددوا مناطق رعي الأنعام بكل أنواعها. جعلوا إمكانية حصاد الحشائش متاحة بعد مواسم الأمطار الغزيرة. يحصدونها مثل حصاد قصب الحنطة. جعلوا منها مصدر علف لا ينضب، للأنعام التي يتم تربيتها في البيوت مثل الأبقار والجمال والثيران.
- أجدادنا -رحمهم الله- عرفوا احتياجات بيئتهم المطيرة وإمكانيتها. حول مستوطناتهم، حددوا المناطق الزراعية على سفوح الجبال وأوديتها. جعلوها مركز الحياة ونقاط حراسة ومراقبة. جعلوا منها مطلات تشرف على هذه المناطق الزراعية.
- من قراءاتي للأنظمة الزراعية التي سادت، استنتجت بأن جميع المزارع التي سادت في بيئتنا المطيرة الجبلية في جميع جبال الجنوب الغربي، وعبر التاريخ، هي حدائق منزلية. نعم.. حدائق منزلية هدفها تحقيق الاكتفاء الذاتي لكل أسرة.
- في نظام زراعة الحدائق المنزلية هذا، لا تدخل حسابات الربح والخسارة. هذه المزارع المنزلية المعلقة على سفوح الجبال، ضرورة حياتية لا غنى عنها. تضمن البقاء ولا شيء غير البقاء. حتى أنهم يقولون في هذا الشأن: لو حسب الزراع ما زرع. حياتهم موجهة بكاملها لخدم هذه المزارع من أجل تحقيق لقمة العيش ومحاربة الجوع.
- الحرائق التي تشب في هذه المناطق هي نتيجة لانهيار نظم التراث المهاري البيئية في جميع مناطقنا الجبلية المطيرة. علينا التفكير بشكل جاد وملح للبحث عن بدائل أو تفعيل وإحياء تلك الأنظمة في ظل الإمكانيات المتاحة علميا وفنيا وماديا. علينا أن نعيد دورها الأساسي في تغذية المياه الجوفية المتجددة. بها سيتم تحييد جميع المخاطر. ويستمر الحديث.
[email protected]


