- هذه البيئة المطيرة، شريط جبلي بعرض لا يتجاوز «10» كيلومتر، يرتفع عن سطح البحر بأكثر من «2000» متر. يطل على سهول تهامة من الجهة الغربية. استوطنته القبائل السعودية عبر العصور. اختارته ليكون موقعا مستداما وحصينا لمستوطناتها.
- التعايش بين هذه البيئة المطيرة وساكنيه من أجدادنا، -رحمهم الله-، منذ بداية الخليقة، وفق رؤية المؤرخين، محوره الاستدامة. يقدم نموذجا عالميا، لحسن اختيار البيئة المناسبة لاستدامة الحياة. أيضا يقدم نموذجا عالميا حضاريا لعلاقة البيئة بالإنسان في ظل شح الموارد الطبيعية للمياه. شراكة تكاملية. فقد أحدهما يعني فقدا للآخر.
- تعاقبت أمم وأجيال في بناء واستثمار هذا الشريط المطير، جعلت عطاءه مستداما. أسسوا منهج بيئي لحياتهم. هنا أقرأ لكم معالم مشاهد تنبئ بخطوات تعايش علمية سادت. اتبعوها في تخطيط وإدارة المكان. كانت مهمتهم الوحيدة في الحياة خدمة هذه البيئة، بمهارات تتوارثها الأجيال.
- حتى اختيار موقع مستوطناتهم تم تحديده بشكل علمي، يحقق ثلاثة أهداف. الأول: ليكون لهم مسكنا مستدام. الثاني: تحقيق أمن مستدام الحماية لأنفسهم بيئيا واجتماعيا. الثالث: تحقيق وظيفتهم الأساسية في الحياة، وهي بناء الأرض وتعميرها لتحقيق البقاء.
- جعلوا أنفسهم وسيلة، وأداة مستدامة لحراسة البيئة. جعلوها تحت بصرهم أثناء الليل والنهار. يرصدون أي تجاوزات. يراقبون أي تأثير سلبي من السيول ومياه الأمطار المتجمعة. أسسوا قيم أخلاقية، وعادات اجتماعية نافعة لهم وللبيئة. بنوا منهج حياة يعظم البيئة وشركاء الحياة، من خلال أنظمة وأعراف صارمة الأداء، متقنة الأهداف والتنفيذ، وتحدد أيضا العلاقات بين البيئة ومكوناتها، لتدوم المنفعة.
- في هذه البيئة المطيرة، وبعد تحديد مكان مستوطناتهم في مواقع صخرية لا يمكن استصلاحها زراعيا، تفرغوا لبقية أجزاء البيئة الأخرى. استثمروها وفقا لإمكانياتها جيلا بعد آخر. جعلوها قابلة للتنمية والتوسعات المستقبلية، وفقا لقدرات وكثافة احتياجات أجيالهم المتتالية.
- توزيع المستوطنات السكانية، ينبئ بفطنة إدارية لإمكانيات بيئتهم المطيرة. قسموا البيئة وفقا لمعطياتها النفعية، لتحقيق أقصى فائدة تحقق استدامة وجودهم. كل شيء في تخطيطهم البيئي يتم لتدوم الفائدة، والمنفعة، وفقا لإمكانيات هذه البيئة المطرية.
- حددوا أجزاء الجبال المطيرة بشكل يجعل كل جزء منها يقوم بدور مستقل، لكنه يتمم أدوار الأجزاء الأخرى. الهدف تسهيل حياتهم وجعلها مستدامة، يعززها التعايش مع البيئة، وفق مبدأ الأخذ دون جور، والعطاء بدون حدود.
- فرضوا مناطق الغابات. جعلوها في ثلاثة مجموعات. ذات المساحة الواسعة تسمى الغابة. أما ذات المساحة المتوسطة فتسمى: الهيجة (كلمة عربية فصيحة). المساحات الصغيرة اطلقوا عليها اسم: العطف، وهو ملك للأفراد يستنفعون منها. الأولى والثانية ملك مشاع للقرية أو القبيلة، اطلقوا عليهما اسم: الريع. هذا بجانب تخطيط المواقع الزراعية.
- بمنهج الحياة الفاعل هذا، تم تحييد المخاطر البيئية بجميع أشكالها وأنواعها ومنها الحرائق. منهج ساد بكفاءة عالية في شريط هذه المناطق المطيرة عبر القرون. ماذا تغير؟ موجات حرائقه السنوية توحي وتقول. ويستمر الحديث.
[email protected]



