لقد بدأ الإنسان يفقد الإحساس بالتسلسل الزمني؛ الأيام لم تعد تفصل بين ماضٍ وحاضر ومستقبل، بل تذوب في شاشة مضيئة، وتُختصر في إشعار، أو موجة بيانات، أو تحديث تلقائي لنظام الحياة، في المستقبل القريب، لن يكون الغد وعداً... بل احتمالاً قابلاً للتعديل.
لقد علّمنا التاريخ أن الإنسان كان يركض دوماً خلف الغد:
المزارع يزرع منتظراً الموسم القادم، الشاعر يكتب منتظراً أن يُخلّد، والعالم يكتشف منتظراً أن يُنقذ الغد من جهل اليوم ولكن ماذا لو اختفى الانتظار؟ ماذا لو صار الغد قابلاً للبرمجة، للتلاعب، للتكرار، أو حتى للحذف؟ من يملك الغد حينها؟ ومن يحدد إن كان سيحضر أم لا؟
نحن نعيش في عصر اختطاف الزمن ، الذكاء الاصطناعي لا ينام، ولا ينتظر، ولا يتأخر وشركات التكنولوجيا الكبرى لا تؤمن بالغد، لأنها تُبرمجه الليلة، والحكومات تتجه نحو ما يُسمى «الإدارة التنبؤية»، حيث يُدار الشعب بناءً على احتمالات لا وقائع والتوقعات لم تعد تمارين فكرية، بل أدوات حكم والخطر الحقيقي أن الغد لم يعد ملكاً لنا... بل ملكاً لمن يستطيع رسمه رقمياً..!
المدهش في هذا السيناريو ليس أن الزمن يُختصر، بل أن الانتظار نفسه أصبح ترفاً قديماً، في هذا المستقبل، لن تسأل ابنك: ماذا تنوي أن تصبح عندما تكبر؟
لأن منصّات الذكاء الاصطناعي قد رسمت له عشرات السيناريوهات، وهو يعيش داخل الخوارزمية التي اختارت له طريقه، لم يعد الوقت يُستهلك.. بل يُستثمر، يُباع، ويُحتكر.
وعندما يعتذر الغد عن الحضور، لا لخلل زمني بل لقرار تقني..
فستجد نفسك أمام سؤال مرعب: هل نعيش في زمننا؟ أم أننا مستأجرون داخل تقويم لا نملكه؟
هنا، تنقلب المعادلة الوجودية:
لم نعد نُسابق الوقت.. بل نحاول ألا يُحذف وجودنا من سيرفرات المستقبل إنه سباق بقاء رقمي، حيث لا ينتصر الأذكى فقط، بل من يفهم كيف يُعيد تعريف الزمن لصالحه..!
الزمن القادم ليس زمن الدول.. بل زمن من يملك الساعة التي لا تتوقف، والخوارزمية التي لا تنام ولذلك، لا بد أن نستفيق من أوهام التحكم، ونسأل:
هل نمتلك أدوات صنع الغد، أم أننا مجرد مستخدمين له؟
من الذي يقرر الشكل النهائي ليوم لم يولد بعد؟
وهل سيأتي وقت يُدار فيه المستقبل كخدمة اشتراك شهرية، تُلغيها بضغطة زر؟
الغد لن يتأخر... لكنه قد لا يأتي لك.
وسيكون المدهش أن تجد نفسك في المستقبل.. لكن خارج المعادلة والخلاصة أن من لا يُدير تصوره عن الزمن، سيُدار كعنصر فائض في قصة يُعاد كتابتها من دون علمه ، وإن كان الغد قد اعتذر عن الحضور، فما تبقّى لنا.. هو أن نُصبح «نحن» الغد، وأن نكفّ عن انتظاره، لنبدأ بصناعته..
[email protected]



